فهرس الكتاب
الوفاء به. ولا يصح أيضا نذر واجب على العين كالصلوات الخمس، أما الواجب على الكفاية فيلزمه كما يقتضيه كلام الروضة وأصلها (ولا يلزم النذر) أي لا ينعقد (على ترك مباح) أو فعله فالأول كقوله: (لا آكل لحمًا ولا أشرب لبنا وما أشبهه) من المباح
ليظهر قوله: نذر المكروه مع تمثيله بقوله: كنذر شخص صوم الدهر. وقوله: (فينعقد نذره) أي نذر المكروه وهذا مرجوح، والراجح: أنه لا ينعقد نذره لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ» ، ولأنه لا يتقرب به، والنذر لا يكون إلا فيما يتقرب به، فلا ينعقد نذر صوم الدهر إلا للقادر عليه بأن لم يخف به ضررًا أو فوت حق.
لكن محل عدم الانعقاد في المكروه: إذا كان مكروها لذاته كالالتفات في الصلاة، فإن كان مكروهًا لعارض كصوم يوم الجمعة أو السبت أو الأحد انعقد نذره؛ لأن الكراهة لعارض الإفراد، لا لذات العبادة فإنه لا كراهة فيها. قوله: (ويلزمه الوفاء به) مبني على انعقاده، وقد علمت ضعفه، فالمعتمد: أنه لا يلزمه الوفاء به إلا في المكروه لعارض كما علمت. قوله: (ولا يصح أيضا) أي كما لا يصح نذر المعصية.
وقوله: (نذر واجب على العين) أي لأنه لازم عينًا بإلزام الشرع قبل النذر، فلا معنى لالتزامه بالنذر كما مر. وقوله: (كالصلوات الخمس) ومنها الجمعة؛ لأنها خامسة يومها، بخلاف صلاة الجماعة في الفرائض والنوافل التي تسن فيها الجماعة كما سبق في أول الفصل. قوله: (أما الواجب على الكفاية) مقابل لقوله: واجب عيني. وقوله: (فيلزمه) أي لانعقاد نذره لشمول القربة التي لم تتعين بأصل الشرع له كما أوضحناه سابقا. وقوله: (كما يقتضيه كلام الروضة وأصلها) هو المعتمد.
قوله: (ولا يلزم النذر الخ) أي لخبر البخاري عن ابن عباس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ رأى رجلا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يصوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» . ويؤخذ من هذا الحديث أن نذر ترك الكلام لا ينعقد، وبه صرح في الزوائد والمجموع. ولا يلزم النكاح بالنذر كما جرى عليه ابن المقري؛ لأن الأصل فيه الإباحة، ولا نظر لكونه قد يكون مندوبًا كما في التائق الواجد للأهبة لكونه عارضًا وإن خالف فيه بعض المتأخرين إذا كان مندوبًا.
قوله: (أي لا ينعقد) أشار الشارح بذلك: إلى أن المراد بعدم اللزوم في كلامه عدم الانعقاد، ولو عبر به لكان أولى؛ لأنه يلزم من عدم الانعقاد عدم اللزوم. قوله: (على ترك مباح أو فعله) لعل على بمعنى الباء، والمعنى: ولا يلزم النذر المتعلق بترك مباح أو فعله؛ لأنه لا يظهر معنى الاستعلاء هنا. وفسر في الروضة وأصلها المباح: بما لم يرد فيه ترغيب ولا ترهيب، وزاد في المجموع: واستوى فعله وتركه شرعًا كنوم وأكل وشرب ولو قصد بالنوم النشاط على