فهرس الكتاب
ويمكن رد الأول إلى هذا بأن يقال مراد القائل به أمهات للناس أكثر وأمات للبهائم أكثر وأنشد الزمخشري للمأمون:
وإنما أمهات الناس أوعية ... مستودعات وللآباء أبناء
والأصل في ذلك خبر: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه» رواه ابن ماجه والحاكم وصحح إسناده و خبر: «أمهات الأولاد لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن يستمتع بها سيدها ما دام حيًا فإذا مات فهي حرة» رواه الدارقطني والبيهقي وصححا وقفه على عمر وخالف ابن القطان فصحح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحسنه وقال رواته كلهم ثقات وخبر الصحيحين: قلنا يا رسول الله إنا نأتي السبايا ونحب أثمانهن فما ترى في العزل قال ما عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة فلولا أن الاستيلاد يمنع من البيع لاستحقاقها العتق لم يكن لعزلهم لمحبة الأثمان فائدة وخبر الصحيحين أيضًا أن من أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربتها» . وفي رواية ربها أي سيدها فأقام الولد مقام أبيه وأبوه حر فكذا هو ولما كان الجزء منها استحقت العتق بولادته، وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم في مارية القبطية لما ولدت سيدنا إبراهيم أعتقها ولدها، فالمعنى أثبت لها استحقاق العتق لا أنه أعتقها بالفعل، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة» وكانت مارية من جملة ما خلفه، ولم يثبت أنه أعتقها في حياته ولا علق عتقها بوفاته. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال نبيعها وقد خالطت لحومنا لحومها ودماؤنا دماءها وعن عثمان رضي الله عنه نحوه واشتهر عن على كرم الله وجهه أنه خطب يومًا على منبر الكوفة فقال في أثناء خطبته اجتمع رأيي، ورأي عمر أن أمهات الأولاد لا يبعن وأنا الآن أرى بيعهن فقال له عبيدة السلماني رضي الله عنه رأيك مع رأي عمر، وفي رواية مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك فأطرق رأسه ثم قال اقضوا فيه ما أنتم قاضون فإني أكره أن أخالف الجماعة فجموع هذه الأحاديث عضد بعضها بعضًا فلو حكم حاكم بصحة بيعها نقض حكمه لمخالفته الإجماع وما كان في ذلك من الخلاف بين القرن الأول فقد انقطع وانعقد الإجماع على منع بيعها. وأما خبر أبي داود عن جابر كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي صلى الله عليه وسلم حي لا يرى بذلك بأسًا فأجيب بأنه منسوخ على فرض اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع كونه قبل النهي أو أنه منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم استدلالًا واجتهادًا فيقدم عليه ما ... @