سواكن الكلمة مهما يكن موقعه، ومع ذلك لا يشعر الناطق بأن شيئا قد سقط، ولكنه بالنسبة إلى الهمزة يحسب دائما حسابها، موجودة أو مبدلة، أو مخففة تخفيفا كاملا، أو بين بين، أو ساقطة مع حركتها، أو بدونها.
ومعنى ذلك في رأينا أن الناطق لا يحافظ على الهمزة، وإنما يحافظ على شئ آخر وراءها، لا تمثل هى منه في الواقع سوى صورة من صوره العديدة، فإذا سقطت إحداها حلت محلها أخرى، حتى لا يفتقد الناطق موضعها الذى أحس بوجوده مؤكدا في ذوقه اللغوى.
ليس هذا بمانعنا - ابتداء - أن نقرر أن هناك نوعين من الهمزة:
الأول: الهمزة الأصلية، وهى التى تحدثنا عن وجودها، وتسميتها في الساميات المختلفة في صدر البحث. وهى (الألف) العربية القديمة، حين كانت رمزا لصوت ساكن حنجرى، وقبل أن تصبح دلالتها مشتركة، فتستحدث تلك التسمية الجديدة برمزها الجديد، لتدل أيضا على مدلولين مشتركين، كما نرى، ولكنهما متوافقان، لا متعارضان كما في حالة الألف. وهذه الهمزة هى التى تكون أصلا من أصول الكلمة.
والثانى: الهمزة الوظيفية، وهى التى تأكد وجودها، بعد هذا الشوط الطويل من الدراسة والتحليل.
غير أن هذه الهمزة الوظيفية قد غلبت بكثرة ورودها وجود الأصلية، حتى كادت هذه تختفى ملامحها، وبخاصة حين نجدهما تخضعان لأحكام واحدة من الحذف والتسهيل وغيرهما.
ومن هنا نقرر أن الهمزة في اللغة الفصحى القديمة كانت في أكثر المواقع وظيفة، لا صوتا ساكنا، وهى بهذه الصفة تدلنا على أمر خفى تماما عن أعين الباحثين في دراستنا الفصحى القديمة، هو أمر «النبر» ، أو الضغط، حتى لقد ذهب بعضهم إلى حد إنكاره، أو ترجيح عدمه في العربية.
ولقد سبق أن أوردنا رأى الدكتور فليش في مسألة نبر الفصحى القديمة، حيث قال: «وخلاصة القول أننا من ناحية لا نملك سوى مجرد لمح طبيعة نبر