الكلمة في العربية الفصحى، ومن ناحية أخرى تظل معرفتنا لموضعه من الكلمة غير قاطعة، ونتيجة لهذا لا نستطيع أن نستنتج من نبر الكلمة، ومعرفتنا به جد ضئيلة ما يفسر أحداثا صرفية، إلا مع قدر كبير من التحفظ».
ويعد رأى فليش هذا شديد التفاؤل بالقياس إلى رأى المستشرق برجشتراسر الذى تحدث عن «الضغط» في العربية الفصحى قائلا: «والآن بعد هذه التوطئة العامة نوجه نظرنا إلى اللغة العربية خاصة فنتعجب كل العجب من أن النحويين والمقرئين القدماء لم يذكروا النغمة ولا الضغط أصلا، غير أن أهل الأداء والتجويد خاصة رمزوا إلى ما يشبه النغمة، ولا يفيدنا ما قالوه، فلا نص نستند عليه في إجابة مسألة: كيف كان حال العربية الفصيحة في هذا الشأن، ومما يتضح من اللغة العربية نفسها، ومن وزن شعرها، أن الضغط لم يوجد فيها، أو لم يكد يوجد، وذلك أن اللغة الضاغطة كثيرا فيها حذف الحركات الغير المضغوطة، وتقصيرها، وتضعيفها، ومد الحركات المضغوطة، وقد رأينا أن كل ذلك نادر في اللغة العربية.
وإذا نظرنا إلى اللهجات العربية الدارجة وجدنا فيها كلها - فيما أعرف - الضغط، وهو في بعضها قوى، وفى بعضها متوسط، غير أنها تتخالف في موضعه من الكلمة في كثير من الحالات، فمن المعلوم أن المصريين يضغطون في مثل (مطبعة) المقطع الثانى، وغيرهم يضغطون الأول، فلو أن الضغط كان قويا في الزمان العتيق لكانت اللهجات على أغلب الاحتمال حافظت على موضعه من الكلمة، ولم تنقله من مقطع إلى مقطع آخر، فأما وزن الشعر فيراعى فيه مدة المقطع فقط، أو مقصور أم ممدود، خلافا للشعرين الإنكليزى والألمانى، فإنه لا رعاية فيهما لمدة المقطع، بل للضغط فقط. هذا ما يمكن استخراجه في خصوص الضغط في اللغة العربية، وأما النغمة فلا نعلم في خصوصها شيئا أصلا [1] ».
(1) ج. برجشتراسر G.Bargstrasser في كتابه «التطور النحوى» ص 46، 47 الطبعة الأولى 1929 - مطبعة السماح - ولا ريب أن هذا الكلام من برجشتراسر، سطحى، لم يتعمق مشكلة النبر، في الفصحى الحديثة، وبخاصة إذا نظرنا إليه في ضوء ما اسلفنا من قواعد نظمها المحدثون، وفى مقدمتهم الدكتور أنيس.