فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 438

و الذى جعل العرب يكتفون بهذا القدر من الرموز الموروثة، والمشتركة بينهم وبين غيرهم من الأمم السامية - أنهم لم يكونوا أمة كاتبة، بل كان جل اعتمادهم على الرواية والمشافهة، ولذا لم يوجهوا منذ البداية عنايتهم إلى تجويد الكتابة، وإكمال رموزها، لعدم إحساسهم بنقصها الناشئ من قلة معالجتهم لها، واستعمالهم إياها.

غير أن هذا لا يمنعنا من أن نقرر أيضا أمرا يبدو في الظاهر مناقضا لهذا - هو: أن نظام الكتابة المكتفى بالرموز الساكنة أو الصامتة كان نظاما كاملا في نظر من استعملوه من العرب، محققا لما أملوا منه، بل إن أى نظام آخر كان عاجزا تماما عن أدا المهمة التى قام بها النظام العربى خير قيام. لقد أرادوا من الرمز أن يؤدى من وجوه القراءة ما صح لديهم مما لقنه إياهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على اختلاف قبائلهم، وعلى اتساع ما ارتضى لهم من الأحرف السبعة التى نزل بها، ولقد حمل الرمز كل ذلك بأمانة يعجز عنها أى نظام كتابى كامل الرموز.

إنه لم يسمح بحرية التحول والحركة داخل الأصل الاشتقاقى فحسب، سواء أكان تحولا في المصوتات أم في العناصر الصامتة بتضعيفها، وإنما سمح بالتبادل بين الأصوات الصامتة في مواقعها أيضا، بل وأكثر من ذلك، سمح بإبدال صامت بآخر ليس من بنية الكلمة، في حدود الروايات الواردة، فالفرق بين:

عبد، وعبد، فرق في المصوتات، يحتمله الرمز (عبد) دون ضبط بالشكل، والفرق بين أثنا وأنثا، فرق في موقع النون من الثاء، يحتمله الرمز (اسا) عند التجريد من النقط، والفرق بين فزّع وفرّغ في (إبدال الزاى راء، وهو ما يحتمله الرمز(فرع) عند التجريد من النقط، وبكل ذلك جاءت الروايات. تلك أمثلة بسيطة على الإمكانيات التى حملها النظام الكتابى المجرد الذى استخدم في تسجيل القرآن على عهد عثمان. ولا شك أن فيما عرضنا من الأمثلة نماذج أشد تعقيدا من هذه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت