و لو كان النظام الكتابى العربى آنذاك يعتمد على تسجيل المصوتات لعجز الصحابة الكاتبون عن القيام بما كلفوا به من جمع ما انتهى إليهم من وجوه القرآن، إذ كانوا حينئذ بحاجة إلى كتابة عشرات المصاحف المختلفة الضبط، ثم نسخ أعداد من كل منها لتوزيعه على الأمصار، وفى ذلك ما فيه من الاستحالة المادية، بل إن تحقق هذه الاستحالة كان يفوّت على عثمان وأصحابه ما أرادوا من جمع الناس على مصحف إمام.
على أن ما قدمنا من القراءات [1] المسندة إلى أصحابها يرينا أن عدم التزام الرسم العثمانى لم يقع في عهد الصحابة بكثرة، إلا من ثلاثة منهم، هم: (ابن مسعود وابن عباس) كلاهما في أربع عشرة رواية، و (أبى) فى إحدى عشرة رواية تقريبا، مما قدمنا، أما (عائشة وعلى) ففى ثلاث روايات، و (ابن عمر) فى روايتين. وبقية من ذكر من الصحابة في رواية واحدة، وهم: (عمر ومعاذ وابن أبى وقاص والأشعرى وأبو حذيفة وابن عمر وابن الزبير [2] . وهى مخالفات للرسم لا تكاد تظهر، أغلبها يرجع إلى الحركات الطويلة التى جرى الرسم العثمانى على حذفها، وبخاصة الفتحة الطويلة(الألف) ، فهى لا تكاد ترسم في المصحف العثمانى، وهى كذلك في الكتابات القديمة التى تعد مصادر للكتابة العربية، مثل كتابة النبط حيث رسمت النقوش المكتشفة كلمات مثل:
«منت» تعنى: مناة [3] ، و «الت» تعنى: اللات، وهما كذلك في الكتابة العربية، أى دون ألف، وإن رسم المصحف «منوة» بالواو. وحسبنا أن نسوق هنا ما ذكره أبو عمرو الدانى بإسناده عن نافع بن أبى نعيم القارئ قال:
«الألف غير مكتوبة يعنى في المصاحف [4] ، في مواضع كثيرة بلغت في هذه
(1) يلاحظ ان هذه القراءات تمثل مجموعة اعتباطية تصلح نتائجها للتطبيق على مستوى المشكلة برمتها.
(2) اقتصرنا هنا على ذكر من خالفت قراءاته الرسم العثمانى من الصحابة وحدهم، دون أن نذكر من نقلوا عنهم من التابعين، وفى مقدمتهم مجاهد والأعمش.
(3) تاريخ العرب ح7 ص 282
(4) المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبى عمرو الدانى (ت 444 ه) ص 10 مطبعة الترقى بدمشق 1940.