أما المجموعة الثانية وهى المخالفة للرسم مع اتفاقها مع القراءة المشهورة في الأصل الاشتقاقى، فإن فيها أمرا يستلفت النظر، ذلك أن أغلبها روايات يرجع منشؤها إلى اعتبارات لهجية، ففى نظير القراءات المدغمة نجد أخرى - في هذه الطائفة لا تدغم، ومعنى ذلك بداهة أنها متأثرة بتقاليد لغوية غير تقاليد تميم التى تعودت الإدغام، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الظاهرة اللهجية، وفى نظير قراءة «جبريل وإسرائيل» نجد قراءات في هذه المجموعة بقلب اللام نونا، ثم نجد أن بعض العرب قد نطق بهذا القلب فيما أشبهها من الأعلام فقالوا: جبرين وإسرايين وإسمعين [1] ، وإذا أردنا أن نعرف من هم؟ وجدناهم بنى أسد [2] ، «وإبراهام» لغة في إبراهيم، كما أن إدراس لغة في إدريس [3] ، وأفىّ لغة في «أفّ» رواها ابن خالويه عن محمد بن القاسم [4] ، بل يزيد القاموس المحيط فيذكر لها أربعين لغة [5] ، و «الكمل» بالكاف بدل الجيم لغة اليمن [6] ، وقد كشفنا في دراستنا للظواهر اللهجية في مصحف ابن مسعود، فى (تاريخ القرآن) ، عن حقيقة هذا الإبدال، وقدمنا هنا لك أدلة تاريخية ولغوية على أنه لم يكن سوى الجيم القاهريه.
وفى قراءة (تضارر) نجد فك التضعيف وهو من خصائص نطق الحجازيين [7] وهمز الحركة الطويلة في «ازيأنت» من الخصائص اللهجية التى سبق علاجنا لها بإفاضة في الباب الأول.
وهكذا نجد أغلب الأمثلة في هذه المجموعة ناشئا عن التأثير اللهجى في القراءات القرآنية، وإن رجع بعض هذه القراءات إلى أسباب أخرى غير اللهجات، كاستخدام صيغة من صيغ جمع التكسير في موضع الفعل الماضى في مثل: «أعبد» ، وعبدة، وكالعدول عن الرفع إلى النصب في «وحورا عينا» ، وهى مخالفة
(1) الكرمانى/ 29
(2) البحر 318/ 1 والقرطبى 37/ 2
(3) البحر 373/ 7
(4) أ خ/ 76
(5) القاموس ح3 ص 117
(6) الكرمانى/ 86، وانظر (تاريخ القرآن) ص 144 للمؤلف.
(7) فى اللهجات العربية/ 138 - الطبعة الثانية.