المستوى المتقارب: وهو ما تكون فيه العلاقة بين اللغة الفصحى (وهى عنده لغة قريش) واللهجة المستعملة - علاقة متدانية متقاربة، لا تفصل بينهما ظواهر لهجية غريبة، وفى هذه الحالة «لا تردّ إحدى اللغتين بصاحبتها، لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها، لكن غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما، فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد أنسابها، فأما رد إحداهما بالأخرى فلا، أولا ترى إلى قول النبى صلى اللّه عليه وسلم: «نزل القرآن بسبع لغات كلها كاف وشاف» ، هذا حكم اللغتين إذا كانتا في الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين أو كالمتراسلتين [1] .
المستوى المتباين: وقد عبر عنه ابن جنى بقوله: (فأما أن تقل إحداهما جدا، وتكثر الأخرى جدا فإنك تأخذ بأوسعهما رواية، وأقواهما قياسا) [2] .
ومعنى ذلك أنه يرفض اعتبار بعض اللهجات، وبعبارة أدق: بعض ظواهر اللهجات - من المستوى الفصيح الذى يمكن أن يقاس عليه، ويفاضل بينه وبين غيره من الظواهر الراقية. وقد جعل أساس الحكم برداءة الظاهرة أو رقيها كثرة الاستعمال وقلته - كما رأينا.
وساق ابن جنى على تباين المستوى أمثلة لبعض الظواهر غير الفصيحة - من وجهة نظره هذه - فقال: (ألا تراك لا تقول: مررت بك، ولا المال لك - قياسا على قول قضاعة: المال له ومررت به، ولا تقول: أكرمتكش(ولا أكرمتكس) قياسا على لغة من قال: مررت بكش، وعجبت منكس) [3] . وإذن فابن جنى بهذا التحديد يمنع القياس على الظواهر الرديئة في لهجات العرب، ولا يمنع اللهجات ذاتها، بل يحترم قياسها وقواعدها، ويرى أن إحداها ليست بأولى من الأخرى، ومعنى ذلك استواء جميع اللهجات العربية في ميزان الفصاحة، بعد أن تقصى عنها الظواهر الموغلة في الخصوصية، والتى تعد انحرافا عن سنن الفصاحة، فهذه في الحقيقة هى الفروق الخاصة بين
(1) الخصائص 12/ 2
(2) المرجع السابق
(3) الخصائص ح2 ص 10