اللهجات واللغة الفصحى، وهى ما أطلق عليها ابن فارس «لغات مذمومة» [1] ووصفها السيوطى بالقبح والرداءة [2] .
ثم يعدد ابن جنى هذه الظواهر فيما حدث به أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب، قال: (ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وتضجع قيس، وعجرفية ضبة، وتلتلة بهراء) [3] .
بل إنه ليمضى في الشوط إلى أبعد غاية حين يقرر أن الفصيح قد ينتقل لسانه إلى لغة أخرى فصيحة، فيعد فصيحا في الاثنتين، ويؤخذ بلغته في كلتيهما، فأما إن كانت اللغة التى انتقل لسانه إليها فاسدة لم يؤخذ بها، ويؤخذ بالأولى، حتى كأنه لم يزل من أهلها [4] . ويضرب لذلك مثلا: (ما يحكى من أن أبا عمرو استضعف فصاحة أبى خيرة لما سأله فقال: كيف تقول استأصل اللّه عرقاتهم، ففتح أبو خيرة التاء، فقال له أبو عمرو: هيهات أبا خيرة، لان جلدك، فليس لأحد أن يقول: كما فسدت لغته في هذا ينبغى أن أتوقف عنها في غيره،(لما حذرناه) قبل ووصفنا، فهذا هو القياس، وعليه يجب العمل) [5] .
وقد آثرنا أن نسهب في عرض تفصيلات رأى ابن جنى في المشكلة لأمرين:
أولهما: أن نتعرف بدقة رأيه في مستوى الفصاحة المطلوب في اللغة التى يقاس عليها، لا سيما وهو أحد الذين نصبوا للدفاع عن القراءات الشاذة وتخريجها في كتابه الجليل (المحتسب) ، وهو أحد مصادر هذا البحث، فلا شك أن عمله في المحتسب كان تطبيقا لرأيه هذا في معاملة اللهجات العربية.
(1) الصاحبى/ 24
(2) المزهر 221/ 1 و 222
(3) الخصائص 11/ 2
(4) السابق 12/ 2
(5) السابق ص 13 وابن جنى في هذا متسع لمذهب البصريين، أما الكوفيون فإنهم يجوزون نصب جمع المؤنث السالم بالفتحة مطلقا. ولا شك أن أبا خيرة كان في فتحة للتاء منتقلا إلى لغة هؤلاء الذين أسس الكوفيون حكمهم على لهجتهم. وهذا لا يعد فسادا في اللسان، بل هو عدول عن الأشيع، أو هو فساد نسى إن جاز القول به - (انظر الأشمونى 47/ 1) .