فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 438

و ثانيهما: أن بحثنا هذا بحاجة إلى مثل هذا الموقف من اللهجات العربية، إذ أن التشدد في قبولها يترتب عليه رفض أغلب الشواذ، من حيث كانت غير موافقة لقياس الفصحى القرشية، أعنى قياس اللغة الأدبية التى ارتفعت إلى أرقى مستوى من التطور، وإحكام المقاييس.

ليس معنى هذا أننا نقبل كل قراءة شاذة، مهما تكن مخالفة لنهج الفصحى، فإن ابن جنى لم يقصد إلى هذا، لا في رأيه ولا في تطبيقه، وإنما المراد أننا نريد تفصيح الشاذ، أو هذا الذى سمى شاذا، متى ابتعد عن الظواهر اللهجية المسفّة، التى لا تليق بلغة القرآن.

وربما دعم هذا الاتجاه في اعتماد اللهجات ما ذكره أبو بكر الواسطى في كتابه «الإرشاد في القراءات العشر» من(أن في القرآن من اللغات خمسين:

لغة قريش، وهذيل، وكنانة، وخثعم، والخزرج، وأشعر، ونمير، وقيس عيلان، وجرهم، واليمن، وأزد شنوءة، وكندة، وتميم، وحمير، ومدين، ولخم، وسعد العشيرة، وحضر موت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، ومذحج، وخزاعة، وغطفان، وسبأ، وعمان، وبنى حنيفة، وتغلب، وطىّ، وعامر بن صعصعة، وأوس، ومزينة، وثقيف، وجذام، وبلى، وعذرة، وهوازن، والنمر، واليمامة، ثم أضاف: همدان، ونصر بن معاوية، وعك.

هذا من اللهجات العربية. أما من غيرها فلغات الفرس، والروم، والنبط، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية، والقبط) [1] . وبرغم ما قد يبدو في هذا الإحصاء من مبالغة فإن له دلالة معينة، هى أن لغة القرآن قد وسعت من مفردات اللغات واللهجات شيئا كثيرا. ولعل هذا هو ما عناه ابن الجزرى ومن أخذ برأيه حين اشترط لصحة القراءة موافقة العربية، ولو بوجه، فهذه الموافقة الوجهية تتسع بلا شك - للقراءات الشاذة غالبا، مع المحافظة على المستوى الفصيح اللائق بنص القرآن، وهو ما نحرص عليه.

وواضح أننا لا نناقش هنا مشكلة وضع قواعد اللغة الفصحى ومقاييسها،

(1) الإتقان في علوم القرآن 135/ 1، الطبعة الثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت