و لا الأسلس الذى تمت بناء عليه تلك المحاولة، وإنما نحن بصدد تحديد موقف الروايات الشاذة من النص القرآنى، هل حفظت مستواه، أو داخلها ما يزرى بفصاحته؟ ... مع تسليمنا بأحقية النقد الذى وجه إلى خلط المتأخرين في الأخذ عن المصادر المختلفة لتقدير اللغة، فقد بالغوا في الاعتزاز بكل ما ينسب إلى قبائل البدو، وفى هذا من الاضطراب ما فيه، لأن شرط اللغة الاطراد والتوحد في الخصائص، ولو أن الرواة وقفوا في استنباط قواعدهم عند اللغة الأدبية التى جاءتهم موحدة، وممثلة في الآداب الجاهلية والقرآن الكريم، لجنبوا أنفسهم الكثير من المهاترات والجدل حول ما يجوز وما لا يجوز [1] .
وعودة إلى تطبيق مقياسنا لنقول: إن تتبعنا للقراءات الشاذة، ودراستنا لما قدم لها العلماء السلف من تفسيرات يكشف عن حقيقة ينبغى التسليم بها هى: أن أغلب هذه القراءات لم يعدم مسوغا تقوى به روايته، من نسبة إلى لغة، أو من تحليل صوتى أو نحوى أو صرفى، وإنا لنرجو أن ندرس الاتجاهات العامة في هذه التفسيرات والمسوغات في عمل آخر.
ومن الطبيعى أن يكون لكل قراءة وجه ومسوغ، ما دامت معزوة إلى راويها، ولم يكن القراء على كثرتهم بمفرطين في جنب اللغة، بل كانوا حريصين تمام الحرص على سلامتها، وهم بروايتهم لما شذ من الأوجه قد حافظوا لنا على قدر كبير من الظواهر التى جازت قراءة القرآن بها، والداخلة في عموم الأحرف السبعة، أو ما بقى منها مجازا، في حين عدت خروجا على قواعد الفصحى التى وضعها النحاة.
ولسنا بحاجة إلى أن نعيد هنا حديث الصراع الذى دار بين النحاة والقراء، حول قراءات صحيحة، رواية وأداء، منسوبة إلى قراء كبار، لهم قدرهم في مجال اللغة والنحو كأبى عمرو بن العلاء، في قراءات الإسكان، ومع ذلك حاول النحاة أن يشككوا في ضبط القراء، برغم أن وظيفتهم هى الضبط والأداء، فإذا عجزوا عن تخطئة القراء، وغلبتهم كثرة الروايات، لجأوا إلى التأويل والتخريج،
(1) فى اللهجات العربية ص 41.