فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 438

فلما بولغ في الضغط تحولت الهمزة إلى عين، أو شبه عين، أى إلى صوت قريب من الهمزة، يمتاز عنها بالجهر، ويتقارب معها في المخرج.

وربما يساعدنا في تصور ما كانت عليه هذه الظاهرة لدى ناطقيها من العرب، ومدى شيوعها في مقاطع الكلمة أن نلاحظ بعض الناطقين من صعيد مصر، في نطقهم لبعض الكلمات الكثيرة الورود مثل: لأ، ويسأل، إذ تصبح على ألسنتهم: لع، ويسعل، ومثل هذا الإبدال للهمزة عينا شائع لديهم وملحوظ، ولا يمكن تفسيره إلا بأن الناطق زاد ضغطه على المقطع فانقلبت الهمزة عينا، مع ملاحظة أن الهمزة في الكلمتين مختلفة الموقع، فهى في الأولى نهاية مقطع، وفى الثانية بداية مقطع، ولكنها وسط الكلمة، وقد اختلفت أيضا حركاتها من كلمة لأخرى، ولم يمنع ذلك من قلبها بتأثير الضغط عليها.

وهذا يدعم رأى الدكتور أنيس: أن استقراء الظاهرة كان ناقصا في وسطها البدوى، في وسط الجزيرة وشرقيها، وربما لو كان استقراؤها قد تم لتبين شيوعها في ذلك الوسط الذى عرفت عنه العنعنة.

ليس معنى هذا أن لغة القبائل الحجازية قد خلت من ظاهرة النبر، حين تجنبت، أو اختفت من لسانها الهمزة، وإنما نرى أن ظاهرة النبر لديها كانت - في حالة عدم التعويض الموقعى على ما سيأتى بيانه - متوزعة على مقاطع مختلفة، بنسب مختلفة تبعا لتفاوت أهمية المقطع المنبور، بعكس قبائل البادية، التى ركزت - فيما نرى - نبرها على مقطع الألف، وبالغت في ذلك مبالغة وردت لنا صور كثيرة منها في القراءات الشاذة.

على أن كلتا الظاهرتين قد وردت منها أمثلة على لسان غير أصحابها، يقول سيبويه: «وقد بلغنا أن قوما من أهل الحجاز من أهل التحقيق، يحققون نبئ وبريئة وذلك قليل ردئ» [1] ، وقد سبق أن النبى صلى اللّه عليه وسلم نهى عن النبر باسمه. وهو تجاوب مع الشائع في لسان أهل الحجاز.

(1) كتاب سيبويه 170/ 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت