فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 438

غير أننا إذا قرأنا قول سيبويه السابق، وقرأنا أيضا ما روى صاحب اللسان:

«وقال أبو زيد: أهل الحجاز وهذيل، وأهل مكة والمدينة لا ينبرون، وقف عليها عيسى ابن عمر فقال: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا» - نتساءل عن مغزى ذلك الاضطرار الذى يلجئ أهل الحجاز إلى مستوى الرداءة في حكم سيبويه؟ ولسنا نجد تفسيرا لهذا إلا بما قاله الدكتور أنيس من أنهم كانوا يتفاصحون، طموحا منهم إلى مستوى اللغة النموذجية، وفى المجال الجدى من القول [1] ، فيعد ذلك منهم خروجا عن طبائع ألسنتهم، إلى مستوى آخر لم تألفه الأسماع منهم. فإذا وجدنا أن قوما من أهل الحجاز دأبوا على تحقيق الهمزة في نبئ وبريئة، فلسنا نشك في أنهم كانوا من أطراف القبائل الحجازية، المتصلة غالبا بقبائل الوسط والشرق، والمتأثرة بها.

وقد جاءت أمثلة مهموزة منسوبة للحجازيين أيضا، ويدل لذلك قراءة ابن كثير الذى التزم تحقيق الهمزة [2] حتى جاءت أمثلة شاذة منسوبة إليه، قرأ: «فاستوى على سؤقه» بهمز الضمة الطويلة، قال أبو حيان: «وهى لغة ضعيفة» [3] ، كما وردت أمثلة لإسقاط الهمزة في لسان تميم، ومن ذلك القراءة «تيمنه» بكسر التاء، قال الدانى: «هى لغة تميم» ، ووافقه على ذلك أبو حيان في البحر، حيث رفض قول ابن عطية الذى زعم أنها لغة قرشية [4] . والقول في رأينا ما ذهب إليه الدانى وأبو حيان، وذلك لملاحظة غابت عن ابن عطية، هى أن كسر أول المضارع حين يكون تاء أو نونا أو همزة خاصة بدوية لا قرشية، هى لهجة قيس وتميم وأسد وربيعة وعامة العرب، ولم يقع ذلك في لسان قريش التى كانت تؤثر الفتح في أول المضارع دائما، يشترك معها في ذلك قوم من أعجاز هوازن، وأزد السراة، وبعض هذيل [5] .

فليس غريبا إذن أن يكون الهمز تميميا بدويا، والتخلص منه حجازيا حضريا، وأن يكون التزام تميم له خاصة بيانية امتاز بها لسانها، إلى جانب خواص

(1) فى اللهجات العربية/ 69.

(2) فى اللهجات العربية/ 67.

(3) البحر 103/ 8.

(4) البحر 499/ 2.

(5) فى اللهجات العربية/ 127. القراءات القرآنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت