تمثل في الواقع قنطرة تعبرها الألفاظ الدخيلة من اللغات السامية إلى العربية الفصحى، ولنذكر هنا ما سبق أن نقلناه عن القدماء من أنهم قد استبعدوا في تقعيدهم للغة الفصحى لغة حمير، لأنها تكاد تكون لغة وحدها، ولأنهم خالطوا الحبشة وخالطوا اليهود، وخالطوا الفرس، فتأشبت لغتهم، واستبعدوا لهجة غسان، لأن الغساسنة كانوا قريبين من الروم وأهل الشام [1] ، واستبعدوا لهجة تغلب لمجاورتها أيضا لليونان [2] ، وبنو كنانة من تغلب أيضا، قال صاحب اللسان:
«وبنو كنانة أيضا من تغلب بن وائل، وهم بنو عكبّ، يقال لهم قريش تغلب [3] .» وأزد شنوءة بطن من بطون الأزد، و (أزد) هذا أبو حى من اليمن يقال له: أزد شنوءة، وأزد عمان، وأزد السراة، فهم شعب يجمع قبائل وعمائر كثيرة في اليمن [4] ، وقد استبعدوا لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس [5] . كما أنهم أخذوا عن بعض الطائيين، ولم يأخذوا عن غيرهم من سائر قبائلهم [6] ، وطيئ ابو قبيلة من اليمن [7] وهم قد استبعدوا اهل اليمن بعامة لمخالطتهم للهند والحبشة.
فإذا لاحظنا في القائمة السابقة أن الألفاظ المنسوبة إلى الحبشة قد نسبت إلى قبائل يمنية، ما عدا لفظة (شطره) التى نسبت لكنانة - استطعنا أن نقرر أن هذه الألفاظ عند التسليم بعدم أصالتها العربية - قد مرت بمرحلتين قبل أن تصبح من ألفاظ الفصحى، فهى حبشية أولا، ثم دخلت إلى ألسنة هذه القبائل اليمنية، لتندمج بعد ذلك في العربية. وإن كنا لا نزال نتوقف في إصدار هذا الحكم حتى نبحث القضية من سائر وجوهها.
وأما نسبة اللفظة الحبشية (شطره) إلى كنانة فلا غرابة فيها، لأن من الجائز أن تكون هذه اللفظة من المشترك السامى، أى أنها أيضا آرامية (نبطبية) ،
(1) ضحى الاسلام 245/ 2 والمزهر 212/ 1
(2) المزهر 212/ 1
(3) اللسان 362/ 13
(4) اللسان 71/ 3
(5) المزهر 212/ 1.
(6) المزهر 211/ 1.
(7) اللسان 116/ 1