اللغات السامية جميعا حينئذ في الأخذ عن تلك السامية الأولى المفترضة، إن لم يكن بعضها قد أخذ عن العربية.
ومما نلاحظه في هذه المجموعة أيضا أن بعض الألفاظ قد أخذ معناه الذى ينسبه إلى اللغة الأخرى من السياق الذى ورد فيه، فتفسير (عبدت) بمعنى (قتلت) ، و (تحت) بمعنى (بطن) ، هو في الواقع تفسير سياقى، لأن بنى إسرائيل قد قتلوا فعلا، وتصور مجئ النداء لمريم من الخارج أقرب منه تصور انبعاثه من داخلها، من بطنها، (أى من تحتها) ، وهى ليست نبيا يوحى إليه، وعلى علماء الساميات أن يبينوا لنا إن كانت هاتان الكلمتان من اللغة النبطية أولا.
كذلك نرى أن تفسير (البعير) بمعنى الحمار متأثر بما روى في التاريخ عن بنى إسرائيل، وبخاصة إذا وجدنا بعض النقاد يصف الرواية العبرية في الكتاب المقدس، التى تعبر في هذا الموضع ذاته بكلمة (الحمار) [1] بأنها موضوعة، يقول مالك بن نبى [2] : «والرواية الكتابية (لقصة يوسف) تكشف عن أخطاء تاريخية تثبت صفة (الوضع التاريخى) للفقرة التى نناقشها، ثم قال: وفى رواية التوراة استخدم إخوة يوسف في سفرهم (حميرا) بدلا من (العير) فى رواية القرآن، على حين أن استخدام الحمير لا يمكن أن يتسنى للعبرانيين إلا بعد استقرارهم في وادى النيل، بعد ما صاروا حضريين؛ إذ الحمار حيوان حضرى عاجز في كل حالة عن أن يجتاز مسافات صحراوية شاسعة، لكى يجئ من فلسطين، وفضلا عن ذلك إن ذرية إبراهيم إلى يوسف، كانوا يعيشون في حالة الرعاة الرحل، رعاة المواشى والأغنام [3] .
وقد أوردنا هنا هذا النص على طوله لنصل إلى أن من المحتمل أن يكون تفسير (البعير) بالجمل أرجح، على ما عليه أكثر آراء المفسرين [4] فى جانب
(1) الكتاب المقدس، ترجمة الآباء اليسوعيين (العهد العتيق) المجلد الأول، سفر التكوين، الطبعة الثانية بيروت 1882.
(2) كاتب مفكر جزائرى معاصر نقل المؤلف جملة من كتبه إلى العربية ..
(3) الظاهرة القرآنية ترجمة المؤلف ص 292 الطبعة الأولى.
(4) القرطبى 230/ 9 و 231