حين صار الزمام بيد قيادة فلسطينيَّة، ينظر الناس إليها كناطق رسميّ باسم القضيَّة، بدأت القيادة الفلسطينيَّة في دورها التاريخي الدنيء، وهو تكريس الاستعمار، وتغيير النظرة والمعاملة مع الكيان الإسرائيلي الغاصب، ومسيرة السلام والتعايش، والتعامل مع الصهيونيَّة كأمر واقع، وجارٍ لا بد من التعامل معه على هذا الأساس، حتّى وهو يُقتِّل المسلمين في كل مكان ووقت.
وحين كانت العلاقة مع إسرائيل علاقة عداء، كانت جهود الصهيونيّة منصبَّة على تحييد العدو وحصر المواجهة في أقلّ عددٍ ممكن من المسلمين، أما عندما تحولت إلى علاقة سلام، فقد سعت إسرائيل إلى تصدير السلام إلى البلاد الأخرى، فبدأت تدخل دولةً دولةً كما خرجت بتخطيط الصهاينة من قبل دولة دولة، وانطلقت عمليات السلام والاستسلام، وأطلق عبد الله بن عبد العزيز مبادرته الشهيرة للتطبيع مع العدو الصهيوني وبيع القضيَّة بثمن بخس، بل دون مقابلٍ في الحقيقة إلاَّ الاستمرار في مسيرة العمالة، وأخرج الشيخ ناصر بن حمد الفهد فك الله أسره كتابه في ذلك الوقت: "التبيين لمخاطر التطبيع على المسلمين" وهو كتاب نفيسٌ يتناول قضيَّة المسلمين الأولى بتأصيل شرعي عزيزٍ نظيرُهُ.
ومن المهمّ التنبُّه إلى أنَّ العدوَّ المستعمِرَ، قد يتخلَّى عن الاستعمار المُقنَّع ويدخل بجيوشه ليجعله استعمارًا صريحًا متى وجد أنَّ المخاوف من المقاومة ضعيفة، أو وجد أنَّ القيادة العميلة غير قادرة على تحقيق مصالحه كما ينبغي، أو خرجت -ولو قليلًا- عن هيمنته، وبهذا أو بعضه اختارت أمريكا غزو العراق عسكريًّا، وقد تختاره في أيِّ وقتٍ في أيِّ بلدٍ من بلاد المسلمين المجاورة للعراق أو البعيدة عنه.
وواقع جيوش الدول العميلة في البلاد الإسلاميَّة يؤكّد ويعلن بوضوح أنَّ مقاومة العدوان، وخاصَّة الأمريكي شبه مستحيلة من خلال تلك الجيوش المتهافتة، سواء من جهة التربية العقديَّة والدينيَّة لأفراد الجيش، أو من جهة الإعداد العسكريّ.
حال جيش حكومة بلاد الحرمين:
للحديث عن بلاد الحرمين أهمِّيَّة خاصَّة، فهي - فوق أنَّها مورد الحديث في هذا الكتاب - مهوى الأفئدة، وحصن الإسلام، وجزيرة العرب التي خرج منها الفاتحون الأوائل إلى العالم.
إنَّ حساسيَّة وضعها تُحتّم أن يكون لهذه البلاد جيشٌ قويٌّ، كما أنَّ هذا الأمر متحتِّمٌ على جميع المسلمين، كما قال تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) .
وأمَّا جيش حكومة بلاد الحرمين فبعد سنين متطاولة من إنفاق الأموال العظيمة التي يُدَّعى أنَّها تُنفق في تسليحه، وعندما أحسَّت البلاد بخطر صدَّام أعلن حُكَّام بلاد الحرمين بسهولة: أنَّ الجيش غير قادر على حماية البلاد، وأدخلوا في - سابقة هي الأولى في تاريخ هذه البقعة المباركة من الأرض - الجيوش الصليبيَّة الأمريكيَّة في قواعد حصينة، وجيوش مجيّشة بزعم حماية البلاد ولا شكَّ أنَّ كلَّ محتلٍّ يحمي البلاد الّتي احتلَّها لصالحه، ويسخّر ثرواتها ومقدّراتها لمصالحه، وهكذا كان.
وفي الوقت الذي تجد فيه جيش إسرائيل يتجاوز مليون جنديّ، في دويلةٍ عدد سكانها ستة ملايين، أمَّا الجيش الاحتياطي لها، فجميع الرجال القادرين على حمل السلاح؛ في هذا الوقت تجد الجيش في بلاد الحرمين أقلَّ وأضعف الجيوش تسليحًا وعددًا وعدّةً، وتدريبًا وجاهزيَّة للدفاع عن الدين والعرض.