فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 743

إنَّ أمير البلد من له الأمر فيها وإن تغلّب عليها فاقد الشروط الشرعيَّة ما لم يكن كافرًا كما قرَّر شيخ الإسلام ابن تيميَّة في منهاج السُّنَّة وغيره، وإنَّ الوضع الذي يُعبّر عنه بانعدام السِّيادة، وعمالة القيادة، ونظر الحاكم أيًّا كان في المقام الأوَّل إلى مصالح عدوِّ الأمَّة حيثُ كانت، وإهماله المقاصد الشّرعيَّة، ومصالح الرَّعيَّة متى خالفت أهواء عدوِّ الله ورسولِه وعبادِه المؤمنين؛ إنَّ التكييف الفقهي لمثل هذا الوضع لا يُخرج الحاكم في أي بلد من بلاد المسلمين عن أن يكون وكيلًا ليس له من الأمر شيءٌ، والحاكم في الحقيقة هو أمريكا الصليبيَّة، وتبعيَّةُ هؤلاء الحكَّام لا تختلف عن تبعيَّة أمراء المناطق أو محافظيها للملك أو الرئيس في بلاده، وحكم الوكيل حكم من وكّله، ومن قاتل فإنَّما يُقاتل في الحقيقة من أنابهم جميعًا، وسلّطهم على المسلمين.

الاستعمار المباشر:

لا شكَّ مع ما سبق أنَّ الاستعمار المقنَّع أفضل من جميع الوجوه لدى المستعمرين، وأقرب في تحصيل مصالحهم، ولذا لم تخلُ البلاد اليوم منه لقوّة المسلمين، ولا لزهد أعداء الإسلام في الاستعمار الذي يمليه عليهم دينُهم ومصالحُهُم الاقتصاديَّة، وإنَّما كان لحصول المقصود في الاستعمار المقنَّع.

إلاَّ أنَّ اليهود - عليهم لعائن الله - حملت صدورهم من الغطرسة ما ليس لأحدٍ غيرهم، ولذا لم يرض غرورهم الاستعمار المقنَّع الذي تكتفي به الدول الصليبيَّة، كما أنَّ احتلالهم بلاد فلسطين المسلمة إنَّما ينطلقون فيه عن عقيدةٍ لا يستطيعون تركها والتنازل عنها، وإلاَّ لكانوا مرتدّين عن يهوديّتهم، تمامًا كما ارتدَّ حكَّام العرب عن الإسلام الذي ينتسبون إليه.

على أنَّ الاحتلال اليهودي للقبلة الأولى لما تخلّى عن الاستعمار المقنَّع لم يستغن عن أقنعة جزئيَّة، إن لم تخف وجه الاحتلال، أخفت مفاهيم كثيرةً متعلِّقةً به.

فكانت قضيَّة فلسطين قضيَّة العالم الإسلامي، وقضيَّة كل مسلم، وجزءً من الدين لا يمكن فصله عن الضمير المسلم، وهي كذلك حقيقةً.

وجهد الإعلام الصهيوني، والإعلام العميل في تحييد المسلمين من غير العرب، بتسميتها قضيَّة العرب، وللتكرار أثرٌ عظيمٌ في تزييف الوعي، وطمس الحقائق، فخرج بذلك كل مسلم غير عربي عن أن يكون معنيًّا بقضيَّة فلسطين، فبدلًا من أن تكون فلسطين "قضيَّته" أصبحت "قضيَّةً يتعاطف معها، وتأخذ جزءً من اهتماماته"كما أنَّها"قضيَّة العرب المسلمين الذين يتعاطف معهم وينالون جزءً من اهتمامه".

وبعد ذلك عملت أبواق الصهيونيَّة على التركيز على دول المواجهة، والحديث الدائم عنها، لتكون قضيَّة فلسطين قضيَّةً أساسيَّة لسوريا ولبنان والأردن، كما أنَّها قضيَّة ذات أهمّيَّة ما لغيرهم من العرب، ولكنّها ليست قضيّتهم.

واستمرّ الكيد اليهودي، الذي بلغ ذروته في إنشاء كيان فلسطينيّ، ليؤدّي دور الاستعمار المباشر في مناطق لم تكن خاضعةً أصلًا للاحتلال اليهوديّ فعليًّا لشراسة المقاومة، وبأس المجاهدين فيها، كقطاع غزَّة.

إنَّ نشوء الدولة الفلسطينيَّة جعل القضيَّة تخرج حتّى عن دول المواجهة، لتكون قضيَّة الدولة الفلسطينيَّة الوليدة، وحكومتها العميلة، وعلى رأسها أذلُّ عميلٍ شاهده الناس، وشهد عليه التاريخ: ياسر عرفات عليه من الله ما يستحقُّ، وبالتالي صارت قضيَّة دول المواجهة قضيَّة ثانويَّة، وصارت الأنظار متّجهة للدولة الفلسطينيَّة وقيادتها، ورافق ذلك بعض الأدوار التمثيليَّة من آخرها حصار ياسر عرفات المشهور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت