وهو مذهب الشيخ محمد بن إبراهيم في مسألة إحياء الموات المنفكة من الاختصاص أو ملك معصوم ولم تدل القرائن على النزاع والشقاق فيها، فقد أنكر الشيخ الاستئذان فيها وأنكر أن يكون من حقوق الإمام الإذن فيها بل إذن الرسول صلى الله عليه وسلم كاف شاف في ذلك [فتاويه 8/ 207,201,196] ، وقال: (نحيطكم علما أن الأرض الموات لا تملك إلا بالإحياء فمن أحياها ملكها سواء كان ذلك بإذن الإمام أو لا) اهـ بنصه.
ثم عاد هذا التيار في الآونة الأخيرة حتى أصبح اليوم يشكل تيارا له رموزه وقياداته.
وإذا كان السلف رحمهم الله قد سموا الفقهاء الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان سموهم مرجئة الفقهاء، فهؤلاء وافقوا الإمامية في هذا الأصل بربط الأمور بالإمام, ولذا يسمون اليوم إمامية الفقهاء أو الإمامية المتفقه - و"أو"هنا ليست للتنويع -، أو الإمامية الجدد أو الإمامية المعاصرة أو الحكامية المعاصرة - و"أو"هنا ليست للتنويع -.
وليس معنى ذلك أنهم يُلحقون بالامامية في الأحكام والتكفير فلا، ولكن قلنا ذلك فيهم تشبها بطريقة بعض السلف الذين يسمون من وافق أهل البدع في أصل من أصولهم، أنهم يسمونهم باسمهم وإن لم يُلحقوهم بهم في الأحكام، كما سموا من قال لفظي بالقرآن مخلوق أمثال الكرابيسي سموهم جهمية، وأحيانا السلف كابن تيمية وغيره يسمون الاشاعرة أحيانا بالجهمية أو الحلولية، والعلماء في زمن أحمد كانوا يسمون المعتزلة بالجهمية، وهكذا فالأسماء غير الأحكام.
قال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، قال: (وفيه رد على الروافض الذين يقولون يجب قبول قول الإمام دون إبانة مستند شرعي) اهـ فانظر إلى هذا الكلام ثم اعرضه على كلام هؤلاء ترى التشابه في هذه المسألة.
وإذا كان المعطلة من جهمية ومعتزلة وأشعرية وغيرهم قد أولوا آيات وأحاديث الصفات وحرفوها إلى أصولهم الباطلة، فإن هؤلاء أولوا وحرفوا الآيات والأحاديث المتعلقة بالجهاد والقيام بالشعائر الظاهرة والحقوق والواجبات الشرعية وخصوها بالحكام مع تعطيل الحكام لها.
قال ابن تيمية [في الفتاوى 28/ 508] عن الأمراء: (بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا وهي واجبة على كل مكلف وهي متوسطة بين طريق الحرورية ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وأن لم يكونوا أبرارا) اهـ.
واليوم مذهب الإمامية المعاصرة قائم على أنهم يوجبون على الإنسان اتباع المذهب الفقهي السياسي المناسب للحكام أو المذهب الوطني أو الإقليمي أو الدولي أو العالمي, وهو جزء من توجه المنهزمين والمتخاذلين لا كثرهم الله، وجزء من توجه المرجئة المعاصرة المصانعين للحكام.
وتصدى لهم في الوقت الحاضر شيخنا العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله في ثلاث فتاوى هي:
فتوى في وجوب الجهاد وفرضيته.
وفتوى في القنوت للنوازل.
وفتوى في شروط الإفتاء.
وذكر في هذه الأمور الثلاثة أنها لا تربط بإذن الإمام إذا وجبت ولزم البيان، وكان قبل وفاته رحمه الله أعد مسودة بيان للكلام عن هذا التيار الجديد وهو تيار الإمامية المعاصرة, لكن وافته المنية قبل أن يخرج ذلك رسميا رحمه الله رحمة واسعة. وهذه الرسالة تحتوي على كثير من تقريراته في مسودة بحثه.