وإذا كان العلماء حرموا بالإجماع اتباع عالم معين بعينه يأخذ بكل قوله ويحرم مخالفته, لأنه أنزله منزلة الرسول ومنزلة المعصوم؟ فكيف يوجبون متابعة الحكام في كل ما يقولون ويحرمون مخالفتهم مطلقا مع أن الكلام في العالم العارف بالكتاب والسنة فكيف بالحكام الجهلة في الأحكام الشرعية, هل يستوون؟! وهذا مخالف للإجماع.
قال ابن القيم رحمه الله: (إن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل منزلة المعصوم فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله) اهـ [إعلام الموقعين 173] .
فانظر إلى حكاية الإجماع وهو في العلماء فكيف بالحكام الجهلة بالشرعية.
وقال ابن القيم رحمه الله: (إذا عرف أن العالم زل لم يجز له أن يتبعه باتفاق المسلمين فإنه اتباع للخطأ على عمد) اهـ [إعلام الموقعين ص173] , ونحن نقول إذا عرف أن الحاكم زل لم يجز له أن يتبعه باتفاق المسلمين فإنه اتباع للخطأ على عمد.
وهذا في العلماء فكيف يوجبون على من عرف خطأ الحكام أن يتبعه؟
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر) اهـ.
وهؤلاء يريدون منك أن تتبع سياسة الحكام إن رضي فعليك أن ترضى إن شجب فعليك أن تشجب وإن أنكر فعليك أن تنكر, وإن قام بحملة ضد المجاهدين فعليك أن تساعده في هذه الحملة، وأقل شيء أن تسكت عن بيان الحق، وإلا فأنت خارجي وتكفيري وصاحب فتنة ومستعجل ومتحمس وإرهابي، وأشد من ذلك من جارى الحكام يُلبّس على الناس كما فعل علماء بني إسرائيل (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .
والأحكام الشرعية والشعائر الظاهرة التي ربطت بالإذن السياسي هي:
1 -الجهاد: حيث قالوا لا جهاد دفع ولا يرد العدوان ولا ترد الأراضي المغتصبة ويدفع الصائل الذي صال على بلاد المسلمين وأفسد الدين والدنيا إلا بإذن إمام - خلافًا لإجماع السلف والخلف الذين قالوا بدفع الصائل بلا هذا الشرط -.
2 -القنوت للنوازل: حيث قالوا لا يقنت للنوازل إلا بأمر تراعى فيه السياسة الدولية - خلافًا لسنة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -.
3 -الإفتاء: حيث قالوا لا يتصدر للإفتاء إلا صاحب منصب، ويمنع من لا يملك منصبًا من الإفتاء ولو كان عالمًا، ولا بد من الجماعية في صحة الفتوى ومشروعيتها والعمل بها
4 -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: حيث قالوا لا ينكر من رأى المنكر ولو كان مؤهلا ولا بلسانه إلا من كان موظفًا - خلافًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم -.
5 -الوعظ والنصح والإرشاد: حيث قالوا لا يعظ ويرشد ولو كان مؤهلا إلا من صرح له بالوعظ والإرشاد، وأيضًا في إطارات وضوابط محدودة لما يقال وما يترك - خلافًا لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لأهل العلم -.
6 -قول الحق والصدع به: حيث قالوا لا صدع بما أمر الله به إلا أن يوافق السياسة المحلية أو الدولية.
7 -التعليم الديني: حيث قالوا لا يشرع فتح المدارس الدينية إلا وفق نظام التعاليم الخاضع لأنظمة منظمة اليونسكو للثقافة التابعة للأمم المتحدة، وكل تعليم لا يخضع لهذه الأنظمة فإنه ممنوع، وإن وجد فلا مستقبل لخريجيه.
8 -الدروس العلمية الشريعة الصحيحة في المساجد: حيث قالوا لا يجوز إلقاء الدروس في المساجد إلا لمن أذن له بذلك تحت ضوابط ما أنزل الله بها من سلطان - خلافًا لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم -.
9 -تأليف الكتب الإسلامية التي في معنى الجهاد مثل كتب الردود والإفتاء: حيث وضعوا شروطًا لفسح التأليف لا يستند كثير منها على أي دليل لا من الكتاب ولا من السنة.
وأشد من ذلك: