فحرب العصابات في أفغانستان والعراق مثلا مع القوات الصليبية منعهم من استخدام سلاح الجوي والسلاح الصاروخي الذي يتفوق فيه العدو الصليبي، ففي هذا النوع من الحروب تشل قدرات العدو من استخدام جميع تلك الأسلحة، بل إننا لم نسمع في حال حصول حرب مدن أو حرب عصابات عن قصف القاذفات الاستراتيجية ولم نسمع عن قصف صواريخ (توما هوك) ، ولا حتى القنابل التقليدية من مختلف الأوزان، وربما لن نسمع عن قصف مدفعية الميدان إلا ما ندر، لأن حرب المدن خاصة وحرب العصابات عامة تعطل كل تلك الخيارات التي أمام العدو الصليبي لأن جنوده متواجدون داخل المدن ولن يستخدم أي سلاح يمكن أن يضر بجنوده، إضافة إلى ذلك أنه لن يستخدم هذه الأسلحة لعدم تمكنه من تحديد القوات العراقية التي تتخذ من حرب العصابات أسلوبًا لها، كما هو الحال الآن في العراق وأفغانستان فبعد تورا بورا لم يسمع أحد عن استخدام القاذفات الاستراتيجية أو الصواريخ الموجهة بالأقمار أو القصف الكثيف، لعدم تمكن العدو من تحديد مواقع المجاهدين، الذين يضربونه في الوقت وبالأسلوب الذي يروق لهم ثم يختفون لينهك العدو بالبحث عنهم دون مواجهتهم، فهذه أحد الإيجابيات التي تتميز بها حروب العصابات عامة.
وقد هزم الفيتناميون على مر 12 عامًا هزموا الجيش الأمريكي بعد أن كبدوه ما يقرب من 67 ألف قتيل قبل أن يعلن هزيمته رسميًا، وكان قادة الفيتناميين يفتخرون ويرددون الطرفة القائلة بأنهم خاضوا الحرب ولم يستطع الجيش الأمريكي أن يدمر لهم دبابة واحدة، في إشارة إلى أن الجيش الأمريكي أعلن هزيمته وخرج من الحرب في المرحلة الأولى من مراحل حرب العصابات، قبل أن يملك الفيتناميون الأسلحة الثقيلة، وبالفعل لم تدمر دبابة واحدة للفيتناميين لأنهم لم يصلوا إلى مرحلة امتلاك السلاح الثقيل، فإذا كانت المرحلة الأولى في فيتنام كبدت الجيش الأمريكي هذه الخسائر فكيف لو أن الجيش الأمريكي أصر ولم ينسحب حتى دخل في المرحلة الثانية والثالثة؟
وبنفس الأسلوب تعامل الأفغان مع الاتحاد السوفييتي وخاضوا حرب عصابات ضده على مر 10 سنوات تكبد أكبر جيش في العالم آنذاك خسائر فادحة في المرحلة الأولى من الحرب، وأعلن الجيش الأحمر انسحابه وهزيمته في أفغانستان قبل أن تنتقل الحرب إلى مرحلتها الثانية على جميع قطاعات أفغانستان، حيث كان هناك قطاعات مثل جلال آباد وخوست وقندهار وغيرها تحولت أثناء وجود السوفييت إلى المرحلة الثانية، إلا أن التحول بشكل كامل لم يحصل إلا بعد انسحاب السوفييت، لتنتقل الحرب إلى المرحلة الثانية ضد حكومة نجيب الشيوعية لمدة سنتين ونصف تقريبًا، ثم حصل الانهيار في الحكومة الشيوعية ليكون الحسم خلال شهرين فقط.
وها هم اليوم يصرخون ويستجدون العالم أجمع مشاركتهم في العراق، ويستجلبون المرتزقة من كل بقاع الأرض ليقاتلوا معهم، وما ذلك إلا توفيق من الله عز وجل ونصر من عنده ثم بسبب النزيف المتواصل الذي تسببت لهم فيه حروب العصابات، والضربات التي يظن البعض أنها لا تؤثر جهلًا منه بالثقافة العسكرية، وتاريخ الحروب.
ونحن موقنون بإذن الله أن نصر الله قريب، وفرجه آتٍ، ويومئذ يفرح المؤمنون.
والله تعالى أعلم.