فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام.
فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيه، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق.).
وهاهم الشباب والفتيان في زمن البعثة المحمدية يقومون بنصرة الحق وأهله ومحاربة الباطل وأنصاره، كما تواتر ذلك في الصحاح والسنن والمصنفات والسير، ولا ينكر ذلك إلا ضال جاحد طمس الله بصيرته، وفيما يأتي بعض الآثار الدالة على ذلك:
1)عن ابن عمر قال: (عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) ، قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز - وهو يومئذ خليفة - فحدثته هذا الحديث، فقال: (إن هذا لحد بين الصغير والكبير) ، فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان بن خمس عشرة سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال [4] .
2)عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طلحة: (التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حتى آتي خيبر) ، فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل) [5] .
3)عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة: (أن علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي) ، فكانوا يختلفون بين الأغراض، فجاء سهم غرب فأصاب غلاما فقتله ولم يعلم للغلام أصل إلا خاله، قال: فكتب أبو عبيدة إلى عمر يذكر له شأن الغلام إلى من يدفع عقله، قال: فكتب إليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له) [6] .
4)عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: (بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم! وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها، قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه! قال: فابتدراه فضرباه بسيفهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء) [7] .
5)عن أنس رضي الله عنه يقول: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: (يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟!) ، فقال: (ويحك أو هبلت؟! أو جنة واحدة هي؟! إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس) [8] .