وخلاصة الأمر أنه لا فرق بين اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدد الكثير وحده وانغماسه فيهم وبين العمليات الإستشهادية بقصد التنكيل بالكفار وإثخان الجراح فيهم وقذف الرعب في قلوبهم وتكبيدهم الخسائر المادية والبشرية، وتجرئة المسلمين عليهم، ومحو فتنتهم من الأرض حتى يكون الدين كله لله والسعي إلى تمكين الإسلام في الأرض وتطهير بلاد المسلمين منهم ومن دنسهم، وتحرير المقدسات الإسلامية، وطردهم من بلاد المسلمين.
والمقتول في هذه العمليات الإستشهادية - إن شاء الله - شهيد في سبيل الله تعالى، له أجر الشهداء الصادقين، والأدلة على استحباب انغماس الرجل الشجيع أو الجماعة القليلة في العدوّ الكثير وفضله رغبة في الشهادة ونكاية في العدوّ تتناوله - إن شاء الله - وبسط القول في هذه المسألة له موضع آخر وفيما ذكرنا ما يفي بالمقصود ويعين على فهم المراد وبالله تعالى نتأيد.
وختامًا ننقل ما ذكره ابن النحاس في مشارع الأشواق (1/ 557 - 560) عن العلماء واختلافهم في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدوّ الكثير وحده، وانغماسه فيهم فقال: (فصل: اعلم أن العلماء - رضي الله عنهم - اختلفوا في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدوّ الكثير وحده، وانغماسه فيهم وقد تقدم من الأدلة أقوالًا وأفعالًا على استحباب ذلك وفضله ما فيه كفاية.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي - رحمه الله تعالى - في الإحياء، في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا خلاف في أنّ المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل، وكما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز - أيضًا - ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز، فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يقتل حتى يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة، وحبهم للشهادة في سبيل الله فتكسر بذلك شوكتهم. أهـ
وقال الرافعي والنووي وغيرهما: التغرير بالنفس في الجهاد جائز، ونقل في شرح مسلم الاتفاق عليه، ذكره في غزوة ذي قرد، وقال في قصة عمير بن الحمام حين أخرج التمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل. قال النووي: فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء. أهـ
وقال البيهقي في سننه: باب من تبرّع بالتعرض للقتل:
958 -قال الشافعي رحمه الله تعالى: قد بورز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم إياه بما في ذلك من الخير فقتل. قال البيهقي: هو عوف بن عفراء، ذكره ابن إسحاق ثم ذكر في الباب قصة عمير بن الحمام وأنس بن النضر وغير ذلك.
وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدوّ وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن له قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ) [البقرة: 207] .