فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 743

[الجواب من (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) للشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى] :

(لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ اُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِاَمْوَالِهِمْ وَاَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِاَمْوَالِهِمْ وَاَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ اَجْرًا عَظِيمًا* دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) . النساء (95 - 96) .

أي: لا يستوي من جاهد من المؤمنين بنفسه وماله ومن لم يخرج للجهاد ولم يقاتل اعداء الله، ففيه الحث على الخروج للجهاد، والترغيب في ذلك، والترهيب من التكاسل والقعود عنه من غير عذر.

واما اهل الضرر كالمريض والاعمى والاعرج والذي لا يجد ما يتجهز به، فانهم ليسوا بمنزلة القاعدين من غير عذر، فمن كان من اولي الضرر راضيًا بقعوده لا ينوي الخروج في سبيل الله لولا [وجود] المانع، ولا يُحَدِّث نفسه بذلك، فانه بمنزلة القاعد لغير عذر.

ومن كان عازمًا على الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع يتمنى ذلك ويُحَدِّث به نفسه، فانه بمنزلة من خرج للجهاد، لان النية الجازمة اذا اقترن بها مقدورها من القول او الفعل ينزل صاحبها منزلة الفاعل.

ثم صرَّح تعالى بتفضيل المجاهدين على القاعدين بالدرجة، اي: الرفعة، وهذا تفضيل على وجه الاجمال، ثم صرح بذلك على وجه التفصيل، ووعدهم بالمغفرة الصادرة من ربهم، والرحمة التي تشتمل على حصول كل خير، واندفاع كل شر.

والدرجات التي فصلها النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث الثابت عنه في " الصحيحين " ان في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض، اعدها الله للمجاهدين في سبيله.

وهذا الثواب الذي رتبه الله على الجهاد، نظير الذي في سورة الصف في قوله: (يَا اَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا هَلْ اَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ اَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِاَمْوَالِكُمْ وَاَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْاَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الى اخر السورة.

وتامل حسن هذا الانتقال من حالة الى اعلى منها، فانه نفى التسوية أولًا بين المجاهد وغيره، ثم صرَّح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة، ثم انتقل الى تفضيله بالمغفرة والرحمة والدرجات.

وهذا الانتقال من حالة الى اعلى منها عند التفضيل والمدح، أو النزول من حالة الى ما دونها، عند القدح والذم أحسن لفظًا واوقع في النفس.

وكذلك اذا فضَّل تعالى شيئًا على شيء، وكل منهما له فضل، احترز بذكر الفضل الجامع للامرين لئلا يتوهم احد ذم المفضل عليه كما قال هنا: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .

وكما [قال تعالى] في الايات المذكورة في الصف في قوله: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) وكما في قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ اَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) أي: ممن لم يكن كذلك.

ثم قال: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) وكما قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا اتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) فينبغي لمن بحث في التفضيل بين الاشخاص والطوائف والاعمال ان يتفطن لهذه النكتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت