فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 743

ومن الأدلَّة على سقوط إذن الإمام في الجهاد المتعيِّن أنَّ من أعظم مقاصد الإمامة وأولاها الجهاد في سبيل الله؛ فلا يمكن مع هذا أن يسوغ للإمام إسقاط الجهاد المتعيّن الذي ما كان إمامًا إلا لإقامته وإقامة بقية الشرائع والحدود، ولهذا قال إياس بن معاوية المزني: "لا بد للناس من ثلاثة أشياء: لا بد لهم أن تأمن سبلهم، ويختار لحكمهم حتى يعتدل الحكم فيهم، وأن يقام لهم بأمر الثغور التي بينهم وبين عدوهم، فإن هذه الأشياء إذا قام بها السلطان احتمل الناس ما كان سوى ذلك من أثرة السلطان وكل ما يكرهون".

ومن هذا ما أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث عقبة بن مالك الليثي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فسلحت رجلًا منهم سيفًا فلما رجع قال: لو رأيت ما لامنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: "أعجزتم إذ بعثت رجلًا منكم فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري؟ "، فلامهم على طاعتهم للأمير الذي لم يمض لأمره صلى الله عليه وسلم الخاص، وعاتبهم أن لم يكونوا نحَّوه وجعلوا مكانه غيره، ومثله من لم يمضِ للواجب الشرعي الظاهر الذي لا لبس فيه من دفع العدو الصائل.

وهذا الحديث ظاهر في المسألة، وإسناده جيد فقد رواه حميد بن هلال عن بشر بن عاصم الليثي عن عقبة بن مالك الليثي، وقد صرح بشر بن عاصم الليثي بسماعه من عقبة بن مالك في حديث آخر، وقال البخاري في ترجمة بشر بن عاصم: سمع عقبة بن مالك الليثي سمع منه حميد بن هلال، وقد وثق النسائي وابن حبان بشر بن عاصمٍ هذا، وأما قول الحافظ في التهذيب: لم ينسبه النسائي إذ وثقه وزعم القطان أن مراده بذلك الثقفي وأن الليثي مجهول الحال، فلا تصح دعوى القطان والقطّان كثير التجهيل للرواة المعروفين، وأما أن النسائي لم ينسبه فقد نسبه النسائي بقوله: وهو أخو نصر بن عاصم ونصر بن عاصم المشهور هو الليثي الذي قيل إنّه أول من وضع علم العربية، وعن بشر بن عاصم ونصر بن عاصم روى حُميد بن هلال العدوي، فظاهر أن قوله أخو نصر بن عاصم يُراد به نصر بن عاصم هذا، فثبت أن الذي وثقه النسائي هو الليثي، وهو المراد بقوله أخو نصر بن عاصم، أما الثقفي فقد نسبه البخاري فقال: أخو عمرو، وتوثيق النسائي وابن حبان لبشر بن عاصم جارٍ على عادتهما من توثيق التابعي المقلِّ الذي يروي عنه ثقة ولا يأتي بما يُنكر، وهو مذهب صحيحٌ، وقد روى الشيخان عن جماعةٍ ممن هذه صفتُهُم، والله أعلم.

ومما وقع التنازع في معناه من كلام أهل العلم كلمة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى إذ قال: "ولا يكون الإمام إمامًا إلا بالجهاد، لا أنَّه لا يكون جهاد إلا بإمام، والحق عكس ما قلته يا رجل" فبيَّن أنَّ الإمامة لا بدَّ فيها من الجهاد لا العكس، وظاهر كلامه أنَّ الإمام لا تصحُّ إمامته بلا جهاد، فكيف يُستأذن في الجهاد من لولا الجهاد ما كان له ولاية؟! فالإمام مفتقرٌ إلى الجهاد لا العكس، وأقلُّ ما تحتمله عبارته سقوط استئذانه في بعض صور الجهاد، والشق الثاني من العبارة في قوله: لا أنَّه لا يكون جهاد إلا بإمام يردُّ به على من يشترط وجود الإمام للجهاد، وإذا لم يُشترط وجوده لم يُشترط إذنه، وهذا يجري على قول الفقهاء في كثير من المسائل "لم يُشترط وجوده فلا يُشترط إذنه"، وفي هذا نظر من وجهين:

الوجه الأول: أنه لا مانع من أن يكون الإذن مشترطًا عند وجود الإمام غير مشترط عند عدمه لما في العمل بلا إذنه وقت وجوده من الافتئات، ولهذا لا يشترط إذن الإمام في شيء من صور الجهاد إذا لم يوجد أو لم يمكن استئذانه، ويُشترط إذنه إن وجد في بعض الصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت