فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 743

أما الاستئذان لترك فرض العين فهو من أمارات النفاق، وهو على الأرجح المراد بقوله تعالى: (لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) فلا يكون منسوخًا، ولا تعارض بينه وبين الآية الأخرى، قال القرطبي: " {لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} أي في القعود ولا في الخروج، بل إذا أمرت بشيءٍ ابتدروه"، وصح عن ابن عباس أن المراد بهذه الآية من يستأذن بلا عذر، ومعلوم أن الاستئذان بلا عذر لا يكون ذنبًا إلاَّ عندما يكون الجهاد فرضًا، وفرض الكفاية لا يكون فرضًا على آحاد الناس فلا يكون الاستئذان بلا عذر منهم ذنبًا، وفرض العين في سبب النزول كان باستنفار الإمام في غزوة تبوك مع أنها كانت من جهاد الطلب كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه، ولإرهاب العدو كغزاة تبوك ونحوها "، وللإمام إذا استنفر العموم أن يعذر من يرى له عذرًا فيستثنيه من استنفاره وإن لم يكن من أصحاب الأعذار الذين عذرهم الله عز وجل بالقرآن، وذلك أن عذره له إنَّما هو استثناء من عموم استنفاره للمسلمين، فلا يكون داخلًا في نداء النفير الذي تعيَّن به الجهاد، والله أعلم.

وعلى هذا التفسير للآية فهي دليلٌ على عدم وجوب الاستئذان للجهاد إذا كان فرض عينٍ، على التقديرين في المحذوف قبل أن، فإن قُدِّر المحذوف: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر في أن يجاهدوا كان المعنى استئذان من يستأذن ليُجاهد لما في هذا من التثاقل عن الجهاد ولما فيه من نيته ترك الجهاد إن مُنع منه وإن كان هذا لا يقع في صورة سبب النزول خاصَّة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إن منع منه وجبت طاعته بخلاف الأمراء، فيكون الذم لأجل ما فيه من التثاقل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وللأمرين معًا في حقِّ من بعده، ويكون من يستأذن ليترك الجهاد أولى بالذم والإثم لأن المستأذن ليفعل أفضل ممن يستأذن ليترك، وإن قُدِّر المحذوف: كراهة أن يجاهدوا، أو بتقدير لا نافيةٍ بعد أن، فيجري على مثل قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) وقوله: (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ) وقوله: (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) وقوله: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) وهو وجه معروف كثير في القرآن وفي كلام العرب؛ فالآية حينئذٍ نصٌّ في المستأذن ليترك الجهادَ، والتقدير الثاني أرجح وأظهر والله أعلم، وهو الظاهر من الآثار في تفسير الآية، ومن سبب النزول حيث نزلت في المنافقين وهم يستأذنون كراهة أن يُجاهدوا.

والمراد على التقدير الثاني: استئذان من يستأذن ليترك الجهاد بعد أن أُمر به، وعلى التقدير الأول: استئذان من يستأذن ليذهب إلى الجهاد، ويكون عامًّا مرادًا به خصوصُ الجهاد المتعيِّن.

وكلا التقديرين يتضمَّن إبطال قول من يوجب استئذان الإمام في الجهاد المتعيِّن، لأنَّ الاستئذان في حقيقته يعني طلب الإذن، وهذا يتضمَّن تعليق الفعل على الإذن، فإن أذن الإمام ذهب وإلاَّ فلا، فيكون مجرَّد الاستئذان معصية بقطع النظر عن مراد المُستأذِن بعد أن علمنا أنَّه سيمتنع إن منعه الأمير، ويطيعه في معصية الله وترك ما أوجب الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت