] الإجابة للشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد - حفظه الله ونفع بعلمه - نقلًا من مجلة صوت الجهاد - وفق الله القائمين عليها - العدد الخامس عشر، بتصرف يسير [
يفرّق في مسألة الاستئذان من ولي الأمر "وفي جميع مسائل الاستئذان بين مسألتي: وجوب استئذان الأمير، ووجوب الامتناع بمنعه، فالأولى وجودية تجعل إذن الأمير شرطًا، والثانية عدميَّة لا تجعله كذلك وإنَّما تجعل منعه مانعًا، إلاَّ أنَّا سنتجوّز في التفريق بينهما ونعدّهما صورة واحدة.
ولولي الأمر في الشريعةِ مكانٌ لا يُنكر، ولا يصلح أمر المسلمين إلاَّ بأميرٍ لهم منهم، وطاعته واجبةٌ في حدودِ ولايته ما لم يأمر بمعصيةٍ، والجهاد من أمور الأمَّة العامَّةِ التي يسوسها ولاةُ الأُمور ويرجع إليهم النظرُ فيها، ويجبُ طاعتهم في شئونها ما لم يأمُروا بمعصيةٍ.
وحيثُ لم يكن الجهاد واجبًا فإنَّ طاعة الأمير في شأنه واجبةٌ، ويسقط استئذان الأمير عن الفرد في فرض الكفايةِ إذا تعيّن عليهِ بعدم حصول الكفايةِ، أو بالاحتياجِ إليه بخصوصِه، ويسقط عن الأمةِ في عمومِ الجهاد إذا عطَّله ولي الأمر سواء كان فرض عين أو فرض كفايةٍ، وإذا نهى عنه بعضَ المسلمين أو كلَّهم وكان فرض عينٍ.
فأمَّا إذا عطَّل الأمير الجهاد؛ فإنَّ تعطيله معصيةٌ منه، ونهيه عنه أو منعه منه فرعٌ على معصيته فلا يجوز طاعته فيه، بل لا يجوز إقراره على ترك الجهاد، ويجب الأخذ على يده والإنكار عليه، وتحريضه وتحريض المؤمنين على الجهاد، وقد نصَّ على هذه الصورة عددٌ من أهل العلم.
وأمَّا إذا تعيَّن فرض الجهاد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة في معصية الله، إنَّما الطاعةُ في المعروف"، ومن معصية الله تركُ الواجبِ المتعيِّن، ومن قال باستئذان الأمير في فرض العين فقد جعل الجهادَ موقوفًا على إذنه فيُترك إن منعَ ويُسلك إن أذِن، وقد نص على هذا الحكم جماعة من أهل العلم، منهم ابن رشدٍ الحفيد فقال: "طاعة الإمام لازمة وإن كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية، ومن المعصية النهي عن الجهاد المتعين".
ومنهم من زعم أنَّ الاستئذان في فروض الأعيان واجبٌ إن كانت الفريضةُ مما تفعل جماعةً، بخلاف ما يفعله المسلم وحده، وهذا باطلٌ بالاتفاق، فإنَّ من فروض الأعيان التي تفعل جماعة: الصلوات الخمس، وفي الأدلَّة الآتي ذكرها ما ينقض هذا القول.
والصورتان السابقتان مما يتعين فيه الجهاد لا ينبغي أن يكون فيهما خلافٌ، وليس لهما اختصاص بالجهاد فهما في كل من له ولاية: لا يُطاع إذا أمر بمعصية الله، ولا يُطاع في تعطيل فرائض الله، ولا يُنزل إلى اجتهاده فيما هو متَّهمٌ فيه.
وفيما عدا هاتين الصورتين، فإنَّ استئذان الأمير واجبٌ في الخروج إلى الجهاد، وفي مفارقته بعد الخروج، فإذا منعه الأمير من الجهاد الذي لم يتعيَّن عليه، وجب عليه الامتناع، وإذا خرج مع الأمير في جهاد وأراد أن يذهب أو يخرج لحاجة ولو يسيرةٍ كالاحتطاب ونحوه لم يجز له أن يذهب حتى يستأذنه لقوله تعالى: (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ) وكذلك الاستئذان لترك فرض الكفاية.