إن التواجد الأمريكي في المنطقة لم يكن ردة فعل لقضية محددة كضربات سبتمبر أو لتسلط رئيس غاشم، إن التواجد الأمريكي في المنطقة هو استراتيجية لا يمكن لأمريكا أبدًا أن تتنازل عنها، وهي على استعداد أن تقاتل دول المنطقة بأكملها من أجل البقاء في المنطقة، كما أنها على استعداد أيضًا لقتال حلفائها من دول أوروبا لتحقيق أهدافها في المنطقة، إن المنطقة هي شريان العالم للحياة، ومن يسيطر على هذا الشريان فسوف ينتعش ويسود، ومن ثم فإنه سيسيطر على العالم ويخنقه بلا رحمة حسب قناعتهم، هذا هو ملخص أهمية المنطقة بالنسبة لأمريكا، فمن السذاجة والسخف أن يظن أن القوات نزلت بسبب صدام، وسترحل بزوال صدام، كما أنه من السذاجة أيضًا أن يظن ولو بقدر بسيط جدًا أن لهذا الإعلان نعني به - إعلان إخلاء السعودية من القوات الأمريكية - حقيقة على أرض الواقع، التحرك والانتقال من دولة إلى أخرى في المنطقة لا يعدو أن يكون مجرد تحرك عسكري تكتيكي، ولكن الاستراتيجية ثابتة، وهي ضمان السيطرة على منابع النفط، والسيطرة على الممرات وضمان سلامة وصول النفط، وضمان أمن إسرائيل، وضمان عدم وصول الإسلاميين إلى أية سلطة في المنطقة، أو تحركهم بما يهدد سيادة أية دولة في المنطقة، هذه هي الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الثابتة في المنطقة، وهذا هو المظهر الواضح للصورة، وكل ما يحصل في خلفيات الصورة فهو لا يمثل أكثر من تغيير في الديكور لإعطاء الصورة مسحة جمالية خداعة، تروج على شعوب المنطقة، والمغفلين.
وحتى نوضح الاستراتيجية التي أشرنا إليها قبل قليل لابد من الإطالة في تجلية الصورة، ولكن سنحاول الاكتفاء بإشارات يسيرة دون التفصيل، رغبة في الاختصار فنقول:
إن أهمية منطقة قلب العالم الإسلامي، ولا نقول الشرق الأوسط فهو مسمى مستحدث لإدخال الورم السرطاني اليهودي ضمن منظومة دول المنطقة، فتعبير الخليج لا يدخل إسرائيل، وتعبير الدول العربية لا يدخل إسرائيل، فتم إنشاء مصطلح الشرق الأوسط ليشمل إسرائيل وتكون طبيعية ضمن دول المنطقة.
نقول إن أهمية المنطقة بالنسبة للعالم عامة وللأمريكيين خاصة، لم تقتصر على أنها منطقة التهديدات المحتملة من قبل المعسكر الشرقي فحسب، بل جاءت الأهمية لأن المنطقة تشكل مسرحًا أساسيًا لجميع دول العالم على الصعيد الاستراتيجي، فمن حضي بها فقد حضي بنصيب الأسد على هذا المسرح.
ودول الصليب لم تعرف أهمية المنطقة بعد اكتشاف النفط، بل عرفت أهميتها قبل ذلك، فهي تعتبر قلب الممرات الحيوية في العالم، ورابطة القارات، ومنذ أربعة قرون فقد حاول الصليبيون السيطرة على المنطقة، لما لها من أهمية دينية وجغرافية، وحاول البرتغال وحاولت فرنسا وجاءت بعدهما بريطانيا، وتفردت بالنفوذ بعد السيطرة الكاملة لها على سائر المستعمرات فأصبحت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وكانت المنطقة بالنسبة لها هدفًا استراتيجيًا لا يمكن التنازل عنه قبل اكتشاف النفط.