والمنطقة كلها ليست السعودية وحدها، بل إن السعودية هي أكبر دول المنطقة مخزونًا بل أكبر دول العالم مخزونًا، فدول الخليج تنتج 62% من مجمل الإنتاج العالمي، ويوجد في منطقة الخليج 370 مليار برميل على الأقل من الاحتياطي النفطي، وهو يعادل ثلثي احتياطي العالم، وهذا هو الذي دفع الرئيس الأمريكي السابق نيكسون ليقول في مذكراته (أصبحت الآن مسألة من يسيطر على ما في الخيلج العربي والشرق الأوسط، تشكل مفتاحًا بيد من يسيطر على ما في العالم) وقال (إن منطقة الخليج كانت ذات يوم تنعم إلى حد كبير بخيال رومانتيكي أصبحت الآن تمسك مصير العالم بذراعيها أو برمالها بتعبير أدق) .
ويقول الرئيس كارتر (لو أن الله أبعد النفط العربي قليلًا نحو الغرب لكانت مشكلتنا أسهل) ، فهم يعانون حقًا مشكلة كبيرة، فمصيرهم معلق بتلك المنطقة، وضمان أمن مصيرهم يكتنفه مخاطر جمة هم يرون أن تغلبهم عليها في هذا العقد، لا يضمن تغلبهم عليها في العقد الذي بعده؟ لذا فإنهم فكروا بحلول جذرية أو طويلة الأجل لا تنتهي بزوال صدام.
مما سبق يتضح لنا أن التصريح بإنهاء التواجد العسكري الأمريكي بسبب زوال صدام، ما هو إلا إعلان ساذج لاستغفال الأمة، لا يصدقه إلا السذج، التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، يعد بالنسبة لهم تأمينًا لأعظم مصالحهم الاستراتيجية والتي بزوالها سيزولون حتمًا، وليست أهمية المنطقة محط أنظار الأمريكيين قديمًا فقط، بل هي محط أنظار قوى العالم كلها، قبل أمريكا، بما فيهم حلفاء أمريكا الأوروبيون وحلفهم (الناتو) .
أهمية المنطقة بالنسبة للأوروبيين قديمًا:
ففي آواخر السبعينات الهجرية مطلع الستينات الميلادية، قدم الرئيس الفرنسي الجنرال الشهير (شارل ديغول) دعوته لتأسيس (مجلس إداري) يقوم بمعالجة الأوضاع خارج المنطقة الأوروبية، إلا أن الرئيس الأمريكي (إزنهاور) رفض هذا الاقتراح في حينه، ويقول الداعون إلى تأسيس هذا المجلس أن الوضع الجديد في المنطقة (البترولية) يدعو إلى إقامة الاحتياطات اللازمة لاتخاذ القرارات السريعة دون اللجوء إلى المشاورات السياسية المطولة، وتزايد بين أروقة حلف الناتو الإلحاح على تشكيل هذا المجلس، بعد بروز النفط كسلعة حيوية بالنسبة للغرب لا يمكن أن يستغنوا عنها، ووصل الإلحاح قمته بعد حرب رمضان مع اليهود عام 1393هـ 1973م، واتخذ حلف الناتو قرارًا مبدأيًا في مطلع عام 1394هـ 1974م، أثناء اجتماع وزراء خارجية الحلف في كندا، وكان القرار الموافقة على توسيع رقعة اهتمامات الحلف خارج منطقة معاهدة شمال الأطلسي، وبعد غزو السوفييت لأفغانستان عام 1399هـ 1979م، صرح الحلف بأن الخطر الأساسي على الغرب لا يقع في أوروبا، بل يقع في المناطق النفطية الحيوية وخطوط المواصلات إليها.
بدأ بعد هذا القرار النقاش داخل حلف الناتو حول إنشاء قوات (التدخل السريع) ، ولم يكن أمام الحلف إلا (قيادة القوات الحليفة المتحركة في أوروبا) والتي تساهم في قيادتها سبع دول من أعضاء الحلف هي (بلجيكا وكندا وألمانيا الغربية وإيطاليا ولوكسمبورغ وبريطانيا والولايات المتحدة) وحجم هذه القوات هو لواء مشترك معزز، وقد تم إنشاء هذه القوة عام 1380هـ 1961م لدعم قوات الناتو في الجناحين الجنوبي والشمالي داخل منطقة الحلف، وكان من أول الداعين لتفعيل دور هذه القوة الجنرال البلجيكي (روبرت كلوز) الذي دعا إلى إعادة تنظيم هذه القوات وتقويتها وإعطائها مهام على الصعيد العالمي بما في ذلك حماية مصادر النفط.
وكانت خيارات الحلف انحصرت بعد حرب رمضان مع اليهود عام 1393هـ وبعد أزمة النفط التي تلتها، في خيارات واضحة ومحددة، أهمها خياران.