فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 743

ومن صور النصر أن يتخذ الله من عباده شهداء، فكل عبد يعمل ويكدح لله تعالى إنما ذلك من أجل أن يدخل الجنة لذا فإن الله تعالى قال (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) فالشهادة اصطفاء من الله تعالى لعباده ومن يصطفيه الله لهذه المنزلة فقد فاز وانتصر، والشهادة هي غاية مطلوبة لذاتها لأنها اصطفاء من الله، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تمناها ثلاثًا بقوله كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) وقال الله مؤكدًا ذلك النصر (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وقال (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) ودليل على أن الشهادة نصر بذاتها ما جاء في الصحيحين عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال (لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه وقال فزت ورب الكعبة) فكيف لمن قتل وعاين الموت أن يقسم بالفوز، إلا أنه قد وجد ريح الجنة، والأدلة على انتصار المجاهد بنيل الشهادة وحدها كثيرة جدًا بسطها العلماء في أبواب مستقلة في فضائل الشهادة في سبيل الله، فمن رزق الشهادة فقد انتصر النصر المحقق.

المعنى الحادي عشر من معاني النصر:

ومن صور النصر أيضًا النصر الميداني نصر المعركة وهذا هو الذي يعرف معناه كل الناس وكثير منهم يحصر النصر به فقط وهذا خلل في المفهوم، فما النصر الميداني إلا أحد أنواع النصر وقد فرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وأراه الله ذلك النصر قبل مماته ثم قال له ممتنًا عليه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .

هذه بعض صور النصر وهي كثيرة لا مجال لحصرها ولكن مثلنا بهذه الصور التي تدخل كلها تحت وعد الله سبحانه وتعالى عندما قال (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) وقوله (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) فمن ضعف إدراكه عن معاني النصر فإنه يقول كيف يحق الله على نفسه نصر الرسل والمؤمنين، ومن الرسل من قتل ومنهم من لم يملك سلطة ولم يسلم معه أحد، ومن فهم معاني النصر فإن الإشكال عنه يزول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت