وهذه امرأة مشهورة لو أن نساءنا مثلها لما بقي أحد في الخوالف، ولو كانت النساء مثلها لخرج الرجال جماعات للجهاد ألا وهي الخنساء، جاء في طبقات الشافعية 1/ 260 والإصابة 7/ 614 عنها إن صح الخبر قالا "حضرت الخنساء بنت عمرو السلمية حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال فذكر موعظتها لهم وتحريضهم على القتال وعدم الفرار وفيها أنها قالت: إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين وإنكم لبنوا أب واحد وأم واحدة ما هجنت آباءكم ولا فضحت أخوالكم، ثم قالت لهم وقد تعلمون ما أعد الله لكم من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرب لظاها على سياقها، وجللت نارًا على أوراقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالمغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة، فخرج بنوها قابلين لنصحها فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم فلما أصبحوا باشروا القتال واحدًا بعد واحد حتى قتلوا وكان منهم إنشاد قبل أن يستشهدوا رجزًا.
فقال الأول:
يا إخوتي إن العجوز الناصحة ... قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالة ... ذات ... بيان ... واضحة ... فباكروا الحرب الضروس الكالحة
وإنما ... تلقون ... عند ... الصائحة ... من آل ساسان كلابا نابحه
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة ... وأنتم ... بين ... حياة ... صالحة
أو ميتة تورث غنما صالحة
وتقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى.
ثم تقدم الثاني وهو يقول:
إن ... العجوز ... ذات حزم وجلد ... والنظر الأوفق والرأي الأسد
قد ... أمرتنا ... بالسداد ... والرشد ... نصيحة ... منها ... وبرا ... بالولد
فباكروا الحرب حماة في العدد ... إما ... لفوز ... بارد ... على ... الكبد
أو ... ميتة ... تورثكم ... غنم الأبد ... في جنة الفردوس والعيش الرغد
فقاتل حتى استشهد رحمه الله تعالى.
ثم تقدم الثالث وهو يقول:
والله لا نعصى العجوز حرفا ... قد ... أمرتنا ... حبا ... وعطفا
نصحا ... وبرا ... صادقا ... ولطفا ... فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلفوا آل كسرى لفا ... وتكشفوهم عن حماكم كشفا
فقاتل حتى استشهد رحمه الله تعالى.
وحمل الرابع وهو يقول:
لست ... لخنساء ... ولا ... للأخرم ... ولا ... لعمرو ذي السناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش العجم ... ماض على المهول خضم خضرم
إما ... لفوز ... عاجل ... ومغنم ... أو ... لوفاة ... في السبيل الأكرم
فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى.
فبلغ خبرهم الخنساء أمهم فقالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته فكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يعطي الخنساء بعد ذلك أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد منهم مائتي درهم" أهـ.
هذه أختي المسلمة شريحة من نساء السلف نقلنا لك جهادهن ومثلهن كثير وما يمعنا من الاستزادة إلا خشية الإطالة، علمًا أننا لم نذكر لك إلا جانبًا واحدًا من سيرتهن، فكيف لو ذكرنا لك طرفًا من عبادتهن وخشيتهن لله وعلمهن وصدقتهن وسائر أعمالهن الصالحة، إذًا لطال بنا المقام ولكن فيما ذكرنا كفاية إن شاء الله.
نماذج للمرأة المجاهدة من نساء عصرنا
وربما تسمعين أختي في الله مثل تلك القصص فتظنيها من نسج الخيال أو من أساطير الأولين، ولكن حينما تعلمين أنه يوجد من نساء اليوم من شابهت نساء الأمس عندها تصدقين ما قيل عن السالفات.