ولا أنسى أن أذكركم أيها المجاهدون بقصة أصحاب الأخدود، الذين أبيدوا حرقًا من أول وهلة فلم ير الغلام ولا من آمن بدعوته نتائج ولا ثمرات!! ومع ذلك قال الله عن مصيرهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (البروج:11) اللهم إنّا نسألك عيش السعداء، والنصر على الأعداء، وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء، يا سميع الدعاء. [1]
"لمَ نقيس الأمور بنتائجها الآنية الظاهرة؟! إنما الميزان القسط هو تقييم أصل العمل إن كان مستوفيًا للشروط وليس يضيره بعد ذلك أن لا يحقق الهدف منه.
إنَّ القياس بالنتائج فحسب ليس من شأن المؤمنين الذين يعلمون أن النتائج بيد الله تعالى وما على العبد إلا أن يجتهد ويتحرى ومن ذلك الاستفادة والاعتبار من التجارب السابقة والمشاورة بين أهل الخبرة في ذلك ثم يعزم ويتوكل على الله تعالى كما قال سبحانه: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: من الآية159) فإذا أخذ المؤمن بذلك فإنه قد اجتهد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وأما أن يقال بعد ذلك إن عملك حين لم يؤد النتيجة المطلوبة أو ترتب عليه مفسدة معينة فهو خطأ في أصله وتعجل فإن هذا خلل في التقييم والميزان والله تعالى يقول: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) (الأنعام: من الآية152) ويقول سبحانه: {وزنوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} (الإسراء: من الآية35) ويقول: {ولا تبخسوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} (الأعراف: من الآية85) والله تعالى قال لنبيه الذي يتنزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) (الشورى: من الآية48) وقال: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) (فاطر: من الآية23) وقال: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد: من الآية40) قال الطبري رحمه الله 13/ 172 يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك فإنما عليك أن تنتهي إلى طاعة ربك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته ا. هـ وقال سبحانه: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص: من الآية56) ، والآيات في أن العبد ليس عليه إلا ما أمر به وليس عليه النتيجة كثيرة.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ورأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد) فهل يا ترى مثل هؤلاء الأنبياء عليهم السلام يمكن أن يخطر على بال مسلم أنهم قصروا في الأخذ بالأسباب في دعوتهم؟! حاشاهم وربي من ذلك.
وإذا هزم المسلم وانكسر وابتلي بقتل أو كلم أو أسر فهذا هو شأن الجهاد ولا ينبغي أن يعد ذلك من خطأ الأصل ما دام مبنيا على أسس صحيحة، والله تعالى يقول: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:139 - 141) .
فذلك كله من حِكم الجهاد ومن مراد الله تعالى فيه فما لنا نختزل كل ذلك في النصر الأرضي العاجل؟!