كل ذلك لا يُتصور جهادٌ بدونه، ولأجل تلك المشاق العظيمة كان أجر الجهاد عظيمًا جدًا .. والمجاهدون ليسوا معصومين ففيهم الصالحون ومنهم دون ذلك بل ربما كان أميرهم من الفجار ولم يكن ذلك مانعا من الجهاد بل عدّ ذلك أهل السنة من أصول منهجهم وذكروه في عقائدهم وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع البر والفاجر من الأمراء المسلمين.
ليس في ذكر هذه الحقائق تشويهٌ لصورة الجهاد، ولا زيادة للرعب ولا للإرجاف، بقدر ما هو تنبيهٌ لأولئك الخياليين الذين يعيشون أحلام اليقظة ويتصورون الجهاد نزهة جميلة، لا بلاء فيها ولا عناء، فإذا جاء الجدّ قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟! تنبيهٌ يصدع في وجوههم: لا تخادعوا أنفسكم، اعلموا أن الجهاد في سبيل الله الذي جاءت في فضله آيات القرآن وأحاديث السنة، والذي يحب الله أهله ويرفعهم درجاتٍ ليس إلا بهذه الصورة الواقعية الحقيقية، وما شرعه الله إلا لفوائده العظيمة وعواقبه الحميدة.
إنّ الذين يستشنعون هذه الصورة للجهاد، ويظهرون أنفسهم بمظهر أصحاب القلوب الرحيمة، والمشاعر الرقيقة يكذبون على أنفسهم وعلى الناس وإلا فإن شناعة الكفر والإلحاد الذي يعايشونه ولا يستنكرونه، وشناعة الرحمة بالذين يبغضون الله ويحادونه ويكفرون بدينه، وشناعة الرأفة بالمجرمين: كل ذلك أكبر دليل على كذبهم وزيف مشاعرهم!!
لو أيقن هؤلاء أنّ الفتنة هي الكفر والشرك كما صح عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتغيّرت نظرتهم نحو الجهاد .. ولو أيقنوا أن هذه الفتنة أكبر وأشد من القتل كما أخبر الله جل وعلا لما ترددّوا عن النفير، ولا تأخروا عن النصرة، ولخافوا من عذاب النار (وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة:81] لو تذكّر هؤلاء فتنة القبر وأسئلته التي لا بدّ منها لعرفوا أي الفتنتين أولى بالتباعد والحذر والنجاة منها ..
إنّ هؤلاء في الحقيقة يحاولون درء الفتنة المتوهمة بارتكاب الفتنة التي هي أعظم وأشنع، يسوّل لهم الشيطان ترك الجهاد خشية الفتنة التي لم تقع ليوقعهم في فتنة ترك الجهاد والرضوخ لحكم المرتدين والكافرين، وتسلط اليهود والنصارى والوثنيين .. يخافون عذاب الدنيا وعذاب الآخرة أشد وأبقى .. يتحاشون الفتنة بالقعود عن الجهاد وما علموا أن أهل الجهاد أبعد الناس عن الفتن وأقربهم إلى السلامة منها وأسعدهم بالهداية، ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69] . فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم؛ لأن الله يقول:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) . [1]