فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 743

ومن ذلك ما حصل من خالد بن الوليد رضي الله عنه من قتل النفوس المعصومة من باب الخطأ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) رواه البخاري.

قال ابن حجر - رحمه الله - في الفتح: (قوله:(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا).

ومثل ذلك فعل أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقال لي: (يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله) أخرجاه في الصحيحين.

وكذلك فقد تولى من تولى يوم أحد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة مع أن ذلك من الموبقات قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (اجتنبوا السبع الموبقات) قلنا: وما هن يا رسول الله؟ - فذكرهنَّ وذكر منها - التولي يوم الزحف، وأنزل الله تعالى فيمن تولى يوم أحد قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) .

وغير ذلك من المعاصي التي وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فلم ينه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجهاد؛ بل وصف الله سبحانه وتعالى المتخلفين عن الجهاد بالنفاق ومرض القلوب فقال تعالى: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) .

وكذلك فإن النكبات التي تصيب المجاهدين ليست مبررًا أيضًا لترك الجهاد في سبيل الله عز وجل فقد وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من المصائب والابتلاءات في جهادهم للكافرين الكثير والكثير ولم تسقط مشروعية الجهاد لوجودها؛ بل هذه طبيعة الجهاد في سبيل الله فلابد من وجود جرحى ونقصٍ في الأموال والأنفس وغير ذلك من الابتلاءات فقد قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت