فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 743

والعجب من هؤلاء الذين يردّدون بلا وعي ما يقوله الأعداء، المخدوعون بغباء، كيف انطلت عليهم حيلة المشاركة الحضارية، ومد الجسور مع الثقافة الغربية؟!، وكيف خفي عليهم أنهم يتحدثون عن قوة مهيمنة تفرض ثقافتها بالقوة، ولا تعترف أصلا بحضارتنا، ولا يروننا سوى بلاد متخلفة، قد ولدت شعوبها وعلى ظهر كل واحد من أفرادها سرج، ليمتطيه الرجل الغربي، وتذكرني بلاهتهم بقول "جوزيف أ. ستيغلتز" في كتابه "خيبات العولمة" [ص 211] : (كانت روسيا تتلقى تدريبا متسارعا على اقتصاد السوق، وكنا نحن الأساتذة، وأي تدريب! كنا نعلم الروس، بطريقة مكثفة، اقتصاد الكتب المدرسية التي تتغنى بحرية السوق، أمّا ما كان يراه هؤلاء في ممارسات معلميهم، فهو على العكس، كان يبتعد بصورة جذريّة عن المثل الأعلى، كنا نقول لهم إن تحرير التجارة ضروري لنجاح اقتصاد السوق، غير أنهم عندما حاولوا أن يصدروا الألمونيوم أو الأورانيوم - ومنتجات أخرى - إلى الولايات المتحدة، وجدوا الأبواب موصدة) .

ولعمري هذه روسيا، فكيف بهذه البلاد التي رعت طواغيتها المتسلطة تخلف الشعوب فيها، وقامة بأداء ما وُكل إليها بأمانة تامّة، وكان قد وُكل إليها أن تبقي بلادنا الإسلامية، رهينة الخوف، والجوع، والجهل، والانهزام النفسي، والرق السياسي، فأي جسور يتحدث عنها هؤلاء المغرورون.

أفلا يرون كيف تريد أمريكا الصليبيّة أن تحول بلادنا إلى مرتع للتنصير والتخريب الثقافي، وتعيث فيها فسادا، وأما المقابل الذي سنحصل عليه، فليس سوى أن نزيد في استهلاك ما تصدره أمريكا، تريد أن تتخذ من بلادنا مطيّة، لاتزيد على أن تعلف العلف، الذي تلقيه إليها الشركات الأمريكية العملاقة، لتوصل بلادهم إلى مزيد من الهيمنة على العالم، وتمكين الصهاينة من التحكّم في مقدّرات بلاد الإسلام.

وقد رأينا كيف تحولت بلدة خليجية صغيرة هي قطر بعدما ابتلعتها أمريكا، إلى نموذج مصغر للعبث الذي ترمي إليه، لقد تم بيع أجيال المسلمين في قطر، إلى شركات أمريكية ترسم مناهج التعليم، وأمّا ما سوى ذلك مما يطلق عليه مؤسسات المجتمع المدني، فقد تمّ توزيعها على من ينوب عن الأمريكيين، ليشكلوها على وفق الثقافة الأمريكية.

إن هذه الرؤية التي يرددها من يدعو إلى مداهنة المشروع الأمريكي، ومد اليد إليه، نابعة من فهم أعوج للشرع، وإدراك مشوه للواقع، وهروب من مواجهة الحقيقة، يمارس به الهارب خداعا لنفسه، وتغييبا متعمدا لعقله، مؤثرا السلامة على التضحية في مواجهة الباطل، وراضيا بالفتات الذي يلقيه إليه الطاغوت يوهمه أو يوهم نفسه أنه به يحقق مصلحة الإسلام، وهو يهدمه بيده، كما يفعل الذين رضوا أن يكونوا خدما لبريمر الصليبي في مجلس الدمى الذي نصبه الطاغوت الأمريكي في العراق، يظنون أنهم بذلك يمدون جسورهم الحضارية، ولا يدرون أنهم حولوا إلى مطايا للصليبية، يوشك أن تقضي حاجتها عليهم، ثم تأتي بغيرهم.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب أصرف قلوبنا إلى طاعتك، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.

والله أعلم

مواضيع أخرى متعلقة:

يقتنع كثير من الناس بما للجهاد من فوائد ولكن في المقابل يرى أن له أيضًا آثارًا ضارة على الدعوة إلى الله تعالى؛ فبإمكاننا من وجهة نظر أولئك تأجيل الجهاد حتى يتاح المجال لتؤتي الدعوة ثمارها، فما الجواب؟

يا أخي إيمان بلا جهاد؟

شبهات ذات علاقة:

شبهة: الاستدلال بكلام العز بن عبد السلام على أنه إذا كان بالمسلمين ضعف وقتالهم لا يحقق نكاية فإنه يجب عليهم ترك الجهاد

شبهة: لا يجاهد إلا من هو كامل الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت