وهذا كله كان منشورا ومعلوما قبل أحداث سبتمبر، وحتى غزو أفغانستان قد أخبر وزير الخارجية الباكستاني السابق في نص حديث أذاعته هيئة الاذاعة البريطانية شهدته بنفسي أن الامريكيين قد أخبروا زعماء باكستان في اجتماع حضره شخصيا أن القوات الامريكية ستغزو أفغانستان للإطاحة بنظام طالبان، وكان ذلك في شهر مايو قبل سبتمر عام ألفين، وكذا كانت خطط غزو العراق معدة منذ عام 1997م، كما ذكرت ذلك في غير موضع، ونسبته إلى مصادره، بل كان منذ الحرب الاولى 1991م.
فمن السذاجة بمكان أن يظن الجاهل أن هذا المشروع الصليبي الصهيوني الغربي الذي يقوده المحافظون الجدد الذين غرهم الشيطان وسول لهم أعمالهم، أنه كان مجرد ردة فعل على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومن ينطلق من هذا المنطلق في فهمه لما يجري، فهو في غاية الغفلة والبلاهة، مما يجعل الجدال معه ضرب من العبث، يتنزه عنه العقلاء.
وأما المجاهدون فليسوا معصومين، هم كغيرهم يصيبون ويخطئون، لكن باتفاق العلماء أهل الجهاد هم أفضل المؤمنين، وقد يكون فيهم من يغلبه الغضب في الحق، فيخطىء، وآخر يستعجل فيتجاوز حدوده، كما يقع من غيرهم من المسلمين والمؤمنين، فهم من هذه الأمة، فيهم ما فيها، ولكن في الجملة هم يخططون خططا دقيقة تحتاج إلى ذكاء، وضبط للنفس، وصبر وتؤدة، وتروّ عظيم، حتى تتم هذه الخطط على أكمل وجه، ثم تؤتي ثمارها، ومن يكون بهذه بالمثابة، لايكون طائشا ولا عبثيا ولا هو غير منظم ولا من أهل الفوضى، نعم قد تقع منهم بعض من ذلك مما هو من طبيعة البشر التي لايخلو منها إنسان.
والعجب كيف يوصفون بالطيش وعدم الإتزان، وأولى منهم بهذه الأوصاف الذين كلما وقع تفجير ما، في مكان ما، اهتزت له عقولهم، وطاشت نفوسهم، فخرجوا عن ضوابط الشرع، في إصدار الاحكام، واستعجلوا في التنديد، وتجاوزا حتى اصول أهل السنة والجماعة فأطلقوا أسماء للذم ما أنزل الله بها من سلطان لايطلقها إلا جاهل، مثل الذم بلفظ "التكفيريين" و "الارهاب" ونحو ذلك ورموا أنفسهم في أحضان الطواغيت، يسترضونهم بأي كلمة باطل حتى لو سعوا بدماء إخوانهم، وجندوا أنفسهم أبواقا للانظمة المستبدة التي تحارب الله ورسوله، ولأعوان أولئك الطواغيت من الظلمة الفجرة الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، من الذين يعذبون المسلمين ويظلمونهم، فأي الفريقين أحق بالطيش وعدم الاتزان إن كانوا صادقين.
والخلاصة:
أن أهل الجهاد فيهم العلماء والقادة وفيهم الشيوخ والكهول والشباب، ويقع منهم الصواب العظيم النفع للأمة ويقع منهم الخطأ غير المقصود، أو التجاوز من بعضهم عن عمد، كما وقع لكل اهل الجهاد منذ أن عقد رايته محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة، فما من قائد قام بأمر الجهاد إلا ووقع في أخطاء، وقد تهراق بسبب ذلك الدماء، والمنصف لايذم الطائفة ذما مطلقا لأخطاء وقعت فيها، ولايمدحها مدحا مطلقا لأنها أصابت في بعض الامور، والحكم للغالب، ولاريب أن غالب نكاية أهل الجهاد في أعداء الله تعالى فهم على هذا الامر مجتمعون، وفي هذا المضمار يتسابقون، ولهذا الراية يوفضون، فالواجب إعانتهم وتسديدهم ونصحهم والدعاء لهم، لا الوقوف مع الكفرة الصليبين والصهاينة وأولياءهم في تشويه سمعتهم، ومحاربتهم، والدلالة على عوراتهم إن ذلك كان خطئا كبيرا، وحوبا عظيما.