هذا من جهة الرواية، أما من جهة الدراية، فنقول: أن قول ابن عباس هذا إن صح - إذ قد صح قريب من معناه عن غيره - فهو رد على الخوارج الذين أرادوا تكفير الحكمين، وعلي ومعاوية ومن معهما من المسلمين لأجل الخصومة والحكومة التي جرت بينهم في شأن الخلافة والصلح وما جرى بين الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري .. إذ تلك الحادثة كانت أول مخرجهم - كما هو معلوم - فقالوا: "حكّمتم الرجال": (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] [4] ولا شك أنهم مخطئون في ذلك ضالون .. إذ ذلك الذي وقع بين الصحابة ولو جار بعضهم فيه على بعض ليس بالكفر الذي ينقل عن الملة بحال، وقد بعث علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس إلى الخوارج يناظرهم في ذلك، فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه، فقال: نقمتم من الحكمين وقد قال الله عز وجل: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) [النساء: 35] الآية. فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا له: ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم وما حكم فأمضى فليس للعباد أن ينظروا في هذا.
فقال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) [المائدة: 95] .
قالوا: تجعل الحكم في الصيد والحرث، وبين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: "أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلًا، فلسنا بعدول، وقد حكّمتم في أمر الله الرجال".
والشاهد .. أنه بعد هذه المناظرة رجع منهم إلى الحق خلق .. وأصر آخرون على ضلالهم وانشقوا عن جيش علي بعد حادثة الحكمين هذه، وهم أصل الخوارج.
فعمد مرجئة العصر إلى تلك المقولة المنسوبة لابن عباس وما شابهها من أقوال أخرى لبعض التابعين .. كطاووس وابنه وأبي مجلز والتي كانت كلها في شأن الخوارج .. وطاروا بها كل مطير، لينزلوها زورًا وبهتانًا في محل غير محلها وواقع غير واقعها ومقام غير مقامها. بدليل أن هذه اللفظة التي يحتج بها هؤلاء، فيها قول ابن عباس مخاطبًا أناسًا بعينهم، عن واقعة بعينها: "إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه"، فلفظة "الذي تذهبون" خطاب للخوارج ومن تبعهم في زمانه، في واقعة معلومة معروفة .. فقوله إذًا ليس في تفسير الآية، وإنما في المناط الخطأ الذي علّقها الخوارج خطأ فيه، بدليل أن الآية أصلًا تتكلم عن الكفار المبدّلين لشرع الله يهودًا كانوا أو غيرهم وسيأتي تفصيل هذا .. فهل يُعقل أن يقول ابن عباس أو غيره من أهل الإسلام في تبديل اليهود أو غيرهم لحكم أو حد من حدود الله - كالدية أو حد الزنا - انه كفر دون كفر؟؟ فمقولته هذه إذن - على تقدير صحتها - هي في المناط الباطل الذي أراد الخوارج إنزالها فيه وليست في بيان الآية وتفسيرها نفسها .. فتنبه، ولا تنخدع بتلبيسات الضالين ..
يقول العلامة السلفي أحمد محمد شاكر في تعليقاته على (عمدة التفسير) عن هذه الآثار: "وهذه الآثار - عن ابن عباس وغيره - مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرءاء على الدين: يجعلونها عذرًا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضربت على بلاد الإسلام" اهـ (4/ 156) .