فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 743

وكما يخلط بينهما مرجئة العصر جهلًا أو تلبيسًا وتدليسًا فينزلون النوع الأخير على طواغيت الزمان المشرعين، فكذلك الخوارج خلطوا وأرادوا جعل الأخير كالأول وإن لم يصاحبه استحلال أو جحود .. ولذلك قال الشيخ سليمان في الموضع الأول: "وقد جنح الخوارج إلى العموم لظاهر الآية وقالوا أنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافرًا. وقد انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على خلافهم. ونحن لم نكفر إلا من لم يحكم بما أنزل الله من التوحيد بل حكم بضده وفعل الشرك ووالى أهله وظاهرهم على الموحدين" اهـ.

أقول: وكذلك نحن فإن الذين كفرناهم بالحكم بغير ما أنزل الله لم نكفرهم لحكمهم بالفروع بمعنى الجور بالقضاء ونحوه من غير استحلال كما هي طريقة الخوارج، وإنما كفرناهم لأن حكمهم بغير ما أنزل الله من النوع التشريعي الشركي المناقض لأصل التوحيد، ولأنهم اتبعوا حكمًا ومشرعًا غير الله عز وجل، وابتغوا دينًا وشريعة غير دينه وشريعته .. وأيضًا لتوليهم أهل الشرك وطواغيته على اختلاف ألوانهم، ومظاهرتهم على الموحدين ..

فافهم هذا ولا تكن ممن تنطلي عليهم تلبيسات مرجئة العصر وتخبطاتهم، وفرّق بين ما يُكفّر به الرسل وأتباعهم، وبين ما يُكفّر به الخوارج وأشياعهم.

ثم اعلم أن التشريع والاستبدال كفرم مجرد لا يقال فيه؛ هل استحل أو اعتقد أو جحد؟ فهذه التقييدات إنما هي في النوع الآخر الذي خلّط فيه الخوارج.

فأهل الكتاب الذين أنزل الله تعالى فيهم: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [التوبة: 31] ، كفروا بالتشريع وطاعة المشرعين في ذلك ومتابعتهم لهم على تشريعاتهم، ولا يقال كفروا لاعتقادهم أنه حرم على الحقيقة أو أبيح على الحقيقة أو أنهم استحلوا التشريع (الاستحلال القلبي) أو أنهم اعتقدوا أن لهم حقًا في الألوهية أو الربوبية.

يقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي في (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) ص (431) : "إن معنى أحلّوه أو حرّموه ليس معناه (الاعتقاد) بمعنى العلم بصحة الشيء والإخبار عنه، بل العمل بمقتضى تحريمهم وتحليلهم من الحكم والتحاكم إليه .. ".

واليهود عندما بدلوا حد الزنا واصطلحوا واجتمعوا على حكم غيره، لم يعتقدوا إباحة الزنا أو استحلاله، بل كانوا يعتقدون حرمته بتحريم الله له، ولا هم زعموا أو قالوا أن الحكم الذي وضعوه هو من عند الله، ولا قالوا أنه أفضل من حكم الله أو أعدل، ولا صرّحوا باستحلالهم للتشريع أو أنهم يعتقدون أن لهم حق التشريع .. أو شيئًا نحوه .. بل كفروا بمجرد تواطئهم واجتماعهم واصطلاحهم على حكم وتشريع غير حكم الله وتشريعه، وكانوا أربابًا لمن أطاعهم وتابعهم وتواطأ معهم على ذلك التشريع.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: "من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله" اهـ.

فالمتبع لتشريع المشرعين المناقض لشرع الله، مشرك اتخذ غير الله ربًا، والمشرع نفسه طاغوت كافر أشرك نفسه مع الله في ألوهية الحكم والتشريع .. قال تعالى: (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) [الكهف: 26] ، وفي قراءة ابن عامر وهو من السبعة: (ولا تشرك في حكمه أحدًا) [الكهف: 26] بصيغة النهي. فالتشريع إما أن يكون إشراك أو اشتراك مع الله في الحكم وكلاهما كفر مجرد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت