يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (التسعينية) : "والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله فمن عاقب على فعل أو ترك، بغير أمر الله ورسوله، وشرع ذلك دينًا، فقد جعل لله ندًا ولرسوله نظيرًا، بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادًا أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب، وهو ممن قيل فيه: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى: 21] اهـ [4] .
ويقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله في (أضواء البيان) جـ7 ص (169) : "ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أم كونية قدرية، من خصائص الربوبية .. كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربًا، وأشركه مع الله" اهـ.
ويقول ص (173) : "وعلى كل حال فلا شك أن كل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله، فقد أشرك به مع الله".
ويقول في موضع آخر: "ويفهم من هذه الآيات كقوله: (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) [الكهف: 26] أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله. وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخرى، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة، بدعوى أنها ذبيحة الله: (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: 121] فصرح أنهم مشركون بطاعتهم .. " اهـ.
وفي قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا) [النساء: 60] يقول ص (83 جـ4) : "وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا، يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم" اهـ.
ويقول عبد المجيد الشاذلي في كتابه (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) [5] : "ولا فرق في التشريع بين الإباحة وغيرها، فالمشرع الوضعي لا يأمر بالشرب أو باستحلال الشرب، بل ذلك راجع إلى دين كل فرد في المجتمع وهو يفصل بين الدين والدولة وهو مشرع الدولة، والدين في نظره علاقة بين العبد وربه، وبالتالي فطاعته في ذلك لا شأن لها بالفعل ولا بالاستحلال وإنما في أن يحترم [6] هذا التحليل وأن يقر بحقه في ممارسته ..
وكذلك لا شأن للاعتقاد بمعنى المعرفة بالأمر، فاليهود عندما اصطلحوا على الجلد والتحميم بدلًا من الرجم كانوا متأثمين بذلك يبحثون له عن مخرج فقهي، ولذلك قالوا: "انطلقوا إلى هذا النبي فإنه قد بعث بالتخفيف فإن أفتاكم بالجلد والتحميم كان حجة لكم عند الله: (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) [المائدة: 41] .