فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 743

ويقول عبد الله بن محمد بن أحمد القنائي في كتابه (حقيقة الإيمان) ص (95) حول سبب نزول قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] «فإن من المعلوم في سبب نزول الآية أن اليهود إنما غيروا الحكم الذي في التوراة دون حذفه منها، ودون اعتقاد أن هناك حكمًا جديدًا مستأنفًا نزل من عند الله، وإنما هم غيروه مع إثبات الحكم الأصلي، وكان ذلك لمجرد اشتداد الأمر عليهم، وعدم قدرتهم على تنفيذه لفسقهم، يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ) [المائدة: 43] : "وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى، والتي يقرون بها، وأنها حق، وأنها كتابي الذي أنزلته على نبيي، وأن ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه، ولا يتدافعونه. ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم مع علمهم بذلك يتولون. يقول: "يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة عليّ وعصيانًا لي" والحق أن هذا القول في المسألة لا يحتمل المكابرة، فليس في منطوق العبارات ولا في مفهومها أي إشارة إلى ما يزعمون أنه "الحق الإلهي" الذي بمقتضاه يغير بعض النصارى واليهود الأحكام لما يعتقدون في أحبارهم أن الوحي لا يزال ينزل عليهم ليغيروا ما عندهم بإرادة الله. هذا شيء وما ورد عن كفر من غيّر الشرائع مع إقرارها شيء آخر» اهـ.

وقريب منه النوع الذي ذكره شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص (521) وهو يتكلم عن أنواع الاستحلال: "وتارة يعلم أن الله حرمها ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم [7] ، فهذا أشد كفرًا ممن قبله" اهـ.

وكذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات ص (28) : "لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما. وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز - أي لا يقبل ولا يمشي - عند أهل بلدنا إلا من وافقهم وغير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار. كما قال تعالى: (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) [التوبة: 9] وغير ذلك من الآيات" اهـ.

ومثل هذا أو أشد؛ ما يزعمه بعض طغاة هذا الزمان من أنهم يقرون بشرع الله وبدينه وبأنه الأفضل والأكمل والأحسن والواجب تحكيمه وغير ذلك، ثم يجعلون لأنفسهم حق التشريع كما تقدم من دساتيرهم ويبدّلون حدود الله وأحكامه بقوانينهم وتشريعاتهم النتنة .. فهم يزعمون أنهم يؤمنون بالله وبالرسول وبما أنزل إليه وما أنزل من قبله ثم ينصبون أنفسهم أربابًا مشرعين وطواغيب يُعبّدون الناس لهم ويلزمونهم اتباع تشريعاتهم المناقضة لشرع الله وطاعتها ويمنعون تحكيم شرع الله ففعلهم هذا بحدّ ذاته فعلٌ وعملٌ كفريّ. مخرج من ملة الإسلام، ولا نبحث فيه عن الاعتقاد والاستحلال ..

يقول الإمام ابن حزم في (الفصل) (3/ 245) في قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [التوبة: 37] : "وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشيء لا تكون إلا منه لا من غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت