وحتى لو صدر الكفر منهم أو من أمثالهم أفيضر هذا الحق شيئًا؟ أم تراه يغيّر من قواعد ديننا وأصوله شيئًا؟ قال تعالى: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) وقال: (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) .. وربما أوردوا لك من هذا القبيل نصوصًا مبتورة مقطوعة على طريقة أهل الأهواء يذكرون منه ما يوافق أهواءهم، كما فعل أحدهم مع بعض إخواننا فأورد عليهم أكثر من مرة قول أبي حنيفة: "لو أن رجلًا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسًا"، يذكر هكذا مبتورًا .. ولا أدري ما يقصد من وراء هذا الإيراد بهذا القدر؟ أهو تجويز الشرك والكفر وعبادة غير الله؟ أم الصدّ عن تكفير الطواغيت وأنصارهم وعبيدهم بإلزامنا تكفير أبي حنيفة وتخويفنا بمخالفة السواد من العوام والطغام في ذلك .. ؟؟ فهذا دين الله لا يداهن أحدًا، ومن ثبت كفره بالدليل كفرناه إن انتفت في حقه الموانع، فالدليل لا يجامل أبا حنيفة ولا غيره، والقول في أبي حنيفة لأئمة زمانه الذين عاصروه، وقد ثبت بأسانيد صحاح في تاريخ بغداد والمجروحين لابن حبان والمعرفة والتاريخ للفسوي عن سفيان الثوري، وغيره أن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين .. وسواء أكفر أبو حنيفة، أو غيره أم لم يكفر فهذا لا يضر الحق ولا يغير منه شيئًا .. والذي نقوله هنا أن تلك المقولة التي أوردها هذا المرجىء كفر سواء أصدرت عن أبي حنيفة أم غيره (*) .. وقد رواها الفسوي في المعرفة والتاريخ (3/ 784) والخطيب (2/ 375 - 377) وابن حبان في المجروحين (3/ 73) وفيها زيادة كتمها هذا المرجىء لأنها تفسد عليه شبهته وإلزامه، وهي قول سعيد بن عبد العزيز في آخر الرواية: (هذا الكفر صراحًا) فتنبه لتلبيساتهم ولا تغتر بشبههم فإنما يتبع مثل هذا ويستدل به من أفلس من الأدلة والحجج الشرعية، فصار إلى أمثال هذه الترقيعات والتلبيسات يدرأ بها في نحر النصوص الواضحة الصريحة، وليس بمستعجب ولا بمستنكر أن يشتبه الحق بالباطل على أعمى البصيرة، كما يشتبه الليل بالنهار على أعمى البصر. يا ويلهم أفلا يتوبون؟ والله إن لم يتوبوا عن هذا فسيعلمون غدًا بتلبيساتهم وشبهاتهم هذه عمن يدفعون ولأي شيء يرقعون؟ وفي أي صف يقفون؟ ومن يحاربون؟ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ..
(*) تنبيه:
اعلم أن بعض صغار العقول من مرجئة العصر قد استغلوا هذا الموضع فافتروا علينا وادعوا أننا نتبنى تكفير أبي حنيفة النعمان، وهذا كما يرى البصير المتأمل لكلامنا محض كذب وافتراء، ناتج إما عن غل وحسد وسوء إرادة، أو عن جهل وسطحية وعدم معرفة بكلام العلماء ومعاني الألفاظ .. فإن المتأمل لكلامنا يعلم أن الذي ذكرناه هنا إنما هو اعتراض بعض أفراخ المرجئة على تكفيرنا للطواغيت بالمقالة المذكورة عن أبي حنيفة، يريدون بذلك تخويفنا من التكفير مطلقًا وصدنا عن تكفير الطواغيت، أو إلزامنا بتكفير أبي حنيفة، فكان ملخص ردنا كما ترى أن بيّنّا أن هذا ليس من طريقة أهل الحق في الاستدلال، وأن ما أرادوا إلزامنا به لا يلزمنا، وإن كانت "تلك المقولة كفر سواء أصدرت عن أبي حنيفة أم غيره" ..
وكل من له معرفة بكلام العلماء يعرف معنى هذه العبارة وأنها لا تعني بحال تكفير أبي حنيفة، إذ معلوم عند صغار الطلبة الفرق بين الحكم على المقالة، وبين الحكم على قائلها، فالحكم على المقالة بأنها كفر، هيّن لا يحتاج إلى النظر في موانع التكفير، بخلاف الحكم على قائلها، فلا بد فيه من ذلك، والإنسان قد يتلفظ بكلمة الكفر ولا يكفر مع ذلك، لقيام مانع من موانع التكفير في حقه.