منها ص (187) أن نهيه أصحابه عن قتله كان من باب نهيه لعمر عن قتل ابن الصياد لما شكّوا بأنه الدجال، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "إن يكن هو الدجال فلن تسلط عليه" لأنه يعلم يقينًا أنه خارج في آخر الزمان لا محالة .. وهكذا هذا فإنه أخبر بما أطلعه الله عليه من علم الغيب بأنه سيخرج من ضئضئه لا محالة أقوام يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم .. الخ، متيقنًا بأن مفسدة خروجهم غير مدفوعة بقتله، فتركه مخافة مفسدة متيقنة عنده وهي أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه الذين يصلون معه فتنفر بذلك قلوب كثير عن الإسلام من غير مصلحة تغمر هذه المفسدة. خصوصًا وأن ذلك كان حال الضعف والاستئلاف .. وهذا وجه ثان وهو الوجه الذي قرره ابن حزم، فذكر شيخ الإسلام ص (189) ، وكذا ص (178) و (179) وص (220) و (223) وص (237) وص (359) أن ذلك كان قبل أن يؤمر صلى الله عليه وسلم بقتل من أظهر نفاقه وكفره. فقبل بدر حال ضعف المسلمين، كان صلى الله عليه وسلم مأمورًا بالصبر على أذاهم والعفو عنهم في قوله تعالى: (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) [الأحزاب: 48] ونحوه .. واما بعد بدر التي كانت بداية عز المسلمين فكان يقاتل من يؤذيه ممن لا مفسدة في قتلهم .. وأما بعد عز المسلمين بفتح مكة وكماله بغزوة تبوك ونزول براءة، فقد نسخ الله الصبر على أذاهم بقوله تعالى: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: 113] ، فلم يتمكن بعدها كافر ولا منافق من أذاهم في مجلس خاص ولا عام بل مات بغيظه لعلمه بأنه يقتل إذا تكلم .. فتأمل هذا الوجه وهو تفصيل لما ذكره ابن حزم، فإن فهمه يزيل عنك أي إشكال في كثير من حوادث الأعيان التي هي من هذا القبيل .. ووجه آخر ذكره ص (187) وأشار إليه في أكثر من موضع وهو أن مقالة ذلك الرجل كانت في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم وبما يخصه صلى الله عليه وسلم من الأذى ص (229) ، (434) وأنه كان له أن يعفو عمن آذاه مطلقًا في حياته، فكان يعفو عنهم في أمثال ذلك تآلفًا للقلوب .. وذكر مثل هذا الأخير ص446 عن القاضي أبي يعلى في شأن الأنصاري المختصم مع الزبير.
واما بعد مماته صلى الله عليه وسلم فمن سبّه أو آذاه كان كافرًا حلال الدم وليس للأمة أن تعفو عنه ص (226) .
[4] باختصار من المحلى (11/ 218) وقد كان كلامه ردًا على من زعم أن المنافقين كانوا يظهرون الكفر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقرهم ولا يقتلهم .. والمبحث نفيس وقد أطال رحمه الله تعالى فيه النفس وأورد كل آية وحديث فيه شبهة من ذلك، وبينها ورد عليها، فراجعه فإنه مفيد.