فهذا باختصار هو النظام العالمي الجديد، شريعة الغاب، تحكمه عولمة سياسية واقتصادية تخنقه، أقوياء يسيطرون على ضعفاء، نظام يزيد القوي جشعًا واستكبارًا، ويزيد الضعيف ضعفًا وفقرًا وحاجة، تتسلط الحكومات والشعوب القوية على مقدرات العالم وعلى الشعوب الضعيفة، هذا وصف عام لا يمكن أبدًا أن ينفك عن السياسة العالمية الحديثة، وبخاصة عن السياسة الأمريكية المتغطرسة، هكذا ينبغي أن نفهم السياسة الأمريكية في المنطقة وفي العالم، وكل الدعايات العالمية التي تردد عن العدل والاحترام وغيرها، إنما هي أقنعة زائفة لتغطية الوجه القبيح للسياسة الأمريكية، فهناك دعايات تنادي بالشراكة الدولية، ودعايات تنادي بعصر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ودعايات تنادي بعولمة سياسية يحترم فيها الجميع بعضهم بعضًا، ودعايات كثيرة لا حقيقة لها، الهدف منها التغطية على السياسة الأمريكية الخبيثة، فمن صدّقها فهو أجهل وأغبى رجل على ظهر الأرض، إذ لا يمكن أن يصدّق عاقل أن يحرس الذئب الغنم.
توصيف الواقع السياسي للمنطقة:
وحتى لا نخرج عن الموضوع فسوف نحاول في هذه الحلقة أن نذكر ملامح السياسة الأمريكية المستقبلية في المنطقة، ولن نحاول الدخول في ذكر الملامح السياسية العالمية خشية الإطالة، فنقول:
إن المنطقة لم تكن يومًا من الأيام في حالة استقرار سياسي، أو ركود سياسي يعود عليها بالنفع، فابتداءً من زرع السرطان اليهودي في المنطقة، مرورًا بظهور الحركات القومية العربية التي في المنطقة التي تنادي بأطروحات أثبتت فشلها في الغرب والشرق لتكرر الفشل في المنطقة، إلى يومنا هذا عندما جاء النظام العالمي الجديد الذي جرد المنطقة من كل إرادة سياسية، حتى أصبحت دول المنطقة وكأنها تنتظر المبعوث الأمريكي ورحلاته المكوكية ليعطيها جدول الأعمال السياسية لفترة ستة أشهر قادمة، فأصبحت المنطقة تسير راغمة تباعًا لأمريكا، وأسباب هذه التبعية أولًا بعدها عن الله و تبديلها لشرع الله تعالى ورفضها تطبيق أحكام الإسلام، وهناك أسباب كثيرة أخرى لعلنا نأتي عليها في ثنايا الحلقة.
نخرج من كلامنا هذا أنه لايوجد إرادة سياسية عربية مهما كان حجمها تجاه أية قضية مهمة، فالإرادة السياسية في المنطقة هي إرادة القوي المتسلط، بعد إرادة الله تعالى ومشيئته، والدول العربية تبع لا تملك لنفسها شيئًا فضلًا عن نفعها لغيرها، وصدق وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم وهو كذوب عندما سئل في بداية الانتفاضة الفلسطينية بعد اجتماع العرب لهذا الشأن وقيل له: هل لديكم أساليب ضغط على أمريكا أو إسرائيل لإيقاف هذه المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين؟ فقال: (نحن لا نملك أية وسيلة ضغط نحن لا نملك إلا التوسل والاستجداء لأمريكا وإسرائيل هذا ما نملكه!!) ، وصدق الكاذب فالعرب بالفعل ليس لديهم وسائل ضغط، بل لديهم وسائل توسل واستجداء، نعم الحكومات العربية تمتلك كل مقومات القوة وبعضها لها في السلطة أكثر من قرن، وفي نهاية الأمر ليس لديها وسائل ضغط، بل إنها لا تملك إلا الاستجداء والتوسل، هذه نهاية الأمر، وهذه هي نهاية تسليم الشعوب القيادة لهذه الحكومات الخائنة، فأي خيانة أعظم من هذه؟، إن أعظم أسلحة فتاكة يمكن أن تواجه الدول العربية بها عدوها - إن جاز لنا التعبير بأنه عدوها - هو الشجب والاستنكار والرفض، ولا يوجد أية وسائل أو سبل لفرض هذا الاستنكار أو الشجب أو الرفض عمليًا.