وهذا الحكم - وهو الصبر على الحاكم المسلم الجائر والخروج على الكافر - مستفاد من الجمع بين الأحاديث الواردة في طاعة الأئمة. فالأحاديث الآمرة بالصبر على الأئمة:- كحديث ابن عباس مرفوعًا: «من كَرِه من أميره شيئًا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» متفق عليه. وحديث ابن مسعود مرفوعا: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها» قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك مِنَّا ذلك؟. قال: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» متفق عليه. ومثل ذلك حديث وائل بن حجر وحديث أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين. كل هذه الأحاديث يقيّدها حديث عبادة بن الصامت: "دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: «إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» " متفق عليه. هذا الحديث يقيّد أحاديث الصبر ويخصِّصُها، فإذا كفر الحاكم وجبت المنازعة والخروج. وإلى هذا التقييد أشار البخاري رحمه الله بإيراده لأحاديث الصبر كأحاديث ابن عباس وابن مسعود السابقة ثم أتبعها بحديث عبادة في نفس الباب [18] .
فطريق الخلاص من كفر الحكام هو الخروج عليهم بالسلاح وهذا واجب إجماعًا عند القدرة، وليس طريق الخلاص مجرد التربية، والشيخ الألباني محجوج بالإجماع الذي نقله القاضي عياض وابن حجر، وإذا وقع الحاكم في الكفر فلا ينظر إلى مفسدة الخروج عليه، إذ لا مفسدة أعظم من فتنة الكفر، قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [19] .
وقد أجمع العلماء على أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس وغيرها من الضرورات الخمس، وقد سبق قريبا قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخَلْق كما قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه" [20] .
4 -ما قاله الشيخ في كتابه «الحديث حجة بنفسه» [21] من أن ضرب الأنظمة الكافرة لا نستطيعه الآن، فإنه عند العجز عن الجهاد يجب تحصيل الاستطاعة لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [22] ، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه عند سقوط الجهاد للعجز يجب إعداد القوة [23] . والقوة هي السلاح وليست التربية لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «ألا إن القوة الرمي» ، رواه مسلم. والشيخ الألباني قد قرَّر هذا بنفسه حيث ذكر في كلامه - بعنوان «المستقبل للإسلام» الذي نقلته في مسألة العهود من هذه الرسالة - قال الألباني: "الحديث «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار .. » - إلى قوله - ومما لاشك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان" [24] . فعند العجز يجب إعداد القوة لا مجرد التربية.