الوجه الثاني: أنه لو افترضنا - جدلًا - تنزيل أحاديث الأئمة عليهم، فإن هذه الأحاديث مقيَّدة بحديث عبادة بن الصامت: "وألا ننازع الأمر أهله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» " متفق عليه، فمتى وقع الحاكم في الكفر الصريح كالحكم بغير ما أنزل الله فقد سقطت طاعته وخرج عن حكم الولاية ووجب الخروج عليه كما قال القاضي عياض في شرح حديث عبادة: "أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل إلى قوله فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك ... الخ" [13] .
مما سبق ترى يا أخي المسلم أنه لا مجال للاستدلال بالأحاديث الواردة في أئمة المسلمين في حق هؤلاء الطواغيت المرتدين وترى كذلك خطورة التلبيس الناشئ عن هذا الاستدلال الذي يترتب عليه صرف المسلمين عن جهاد الطواغيت الواجب عليهم.
3 -وقد وقع الشيخ الألباني في هذه المغالطة في تعليقه على العقيدة الطحاوية، فكلام الإمام الطحاوي وكلام الشارح ابن أبي العز هو في حق الإمام المسلم إن فسق أو جار، وليس في حق الكافر. وهذا واضح في كلام الإمام الطحاوي: "ولا نرى الخروج على أئمتنا" أي أئمة المسلمين فأخذ الشيخ الألباني كلامهما وأنزله في حق حكام المسلمين - في زماننا هذا - الذين لاشك في كفر وردة معظمهم، فأحدث بذلك تلبيسًا خطيرًا.
والشيخ الألباني يقر بكفر الأنظمة التي تحكم المسلمين بغير شريعة الإسلام ومن ذلك قوله: "فقد سمعت كثيرًا منهم يخطب بكل حماسٍ وغيرةٍ إسلامية محمودة ليقرر أن الحاكمية لله وحده، ويضرب بذلك النظم الحاكمة الكافرة، وهذا شيء جميل، وإن كنا الآن لا نستطيع تغييره" [14] هذا كلام الألباني، كذلك فإنه سكت عن تعليق الشيخ أحمد شاكر - في شرح العقيدة الطحاوية - على قول الشارح: "إن الحاكم إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر" علق أحمد شاكر على هذا بقوله: "وهذا مثل ما ابتلى به الذين درسوا القوانين الأوربية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها أيضًا الذين أشربوا في قلوبهم حبها والشغف بها والذَّبُّ عنها وحكموا بها وأذاعوها .. الخ" [15] .
فكيف يقول الشيخ إن طريق الخلاص من هؤلاء الكافرين هو الصبر والتربية؟ مخالفًا بذلك جمهور السلف الذين قرروا أن الصبر يكون على الحاكم المسلم إن فسق أو جار أما إن كفر فيجب الخروج عليه عند القدرة إجماعًا وقد ذكرت في هذه الفقرة كلام القاضى عياض وكلام ابن حجر في هذا. وقد نقلا الإجماع على وجوب الخروج على الحاكم الكافر [16] . ومما قاله ابن حجر: "وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك" [17] فأيُّ كلام أوضح من هذا؟.