فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 743

10 -ومن التناقضات - أيضًا في كلام الشيخ - قوله في نفس الكتاب: "اعلم أن الجهاد على قسمين: الأول فرض عين، وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين. فالمسلمون جميعا آثمون حتى يخرجوهم منها" [32] . وقد ذكرت من قبل في هذه الفقرة أن الحكام المرتدين هم أيضًا عدو كافر متسلط على بلاد المسلمين وأن جهادهم - لذلك فرض عين - بل إن جهادهم مُقَدَّم على جهاد اليهود لسببين: القُرْب والرِّدِّة، بل إن اليهود لا يستقر لهم مقام بفلسطين إلا في كنف هؤلاء الحكام الطواغيت المرتدين.

ثم إن لنا أن نسأل الشيخ سؤالا: لماذا قال إن طريق الخلاص من ظلم الحكام هو طريق تغيير ما بالأنفس بالعلم والتربية، ثم قال إن طريق الخلاص من اليهود هو طريق الجهاد، مع أن كلاَّ من الحكام المرتدين واليهود هم كفار تسلطوا - قدرا على المسلمين بذنوبهم، فلماذا فَرَّق الشيخ بين أسلوبي المواجهة؟ قال عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص في مسيره لغزو الفرس: "ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يُسَلَّط علينا فرب قوم سُلِّط عليهم شرٌ منهم كما سُلِّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) " وقد سبقت هذه الوصية من قبل. وفي حديث ثوبان مرفوعا: «وألا أسلَّط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» رواه مسلم. وهذا نص في أن العدو الكافر لا يتسلط على المسلمين إلا إذا بلغوا من الفساد مبلغا وهذا أمر قدري. فهل الواجب - إذا تسلط العدو الكافر على المسلمين - هو الاقتصار على دفع السبب القدري للعدوان (بإصلاح ما بالأنفس) أم الواجب هو دفع العدوان بما شرعه الله تعالى من الجهاد؟ وما الذي أجمع عليه سلف الأمة في هذا المقام: التربية أم وجوب الجهاد العيني؟.

وأيهما أوجب قتاله: المرتد كهؤلاء الحكام أم الكافر الأصلي كاليهود؟ [33] .

وأيهما أوجب قتاله: العدو الأقرب إلى المسلمين كهؤلاء الحكام أم الأبعد كاليهود؟ [34] .

11 -وما قاله الشيخ من ضرورة إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها نتفق معه في أنه لابد من الدعوة والتربية لتكوين طائفة تقوم بالجهاد لدفع فتنة الكافرين، أما الدعوة والتربية المطلقة هكذا دون أن نضع الجهاد نصب أعيننا فأرى أنها لن تأتي بنتيجة إذ إن عوامل الهدم والإفساد تعمل هي الأخرى وتدعمها وزارات التعليم والإعلام والأوقاف الحكومية وتحميها أجهزة القمع البوليسي، كما أعود فأذكر بأن الاقتصار على التربية كوسيلة للإصلاح فيه حيدة عن الواجب الشرعي وهو الجهاد. وفيه مخالفة لهدى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يسلك مسلك التربية المطلقة هكذا. وإنما دعا حتى تكونت طائفة ذات شوكة جاهد بها الكفار، امتثالًا لما أمره به الله تعالى في قوله: «وقَاتِل بمن أطاعك من عصاك» رواه مسلم عن عياض بن حمار، ولقوله تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [35] . فجعل سبحانه وتعالى تحريض المؤمنين طريقًا لكف بأس الكافرين ودفع فتنتهم بالجهاد وهذه الآية والحديث قبلها نَصَّان واضحان في إفادة المراد.

نعم العلم والتربية حق وجزء من الإعداد للجهاد من أجل تكوين طائفة ذات شوكة قادرة على التمكين لدين الله تعالى في الأرض، ومع ذلك نقول إذا اكتملت القوة المادية لطائفة مجاهدة ولم تكن على المستوى التربوي المرضي فالواجب شرعًا الجهاد معها، عملا بما استقر عند أهل السنة والجماعة من الغزو مع البر والفاجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت