قلت: وهذا كلام يَشْفى العليل ويَرْوى الغليل، فإنه لا خلاف بين الأمة في وجوب حفظ الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل (النسب) والعقل والمال، ولا خلاف في أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، ولهذا شُرِع الجهاد لحفظ الدين مع أن فيه ذَهَاب الأنفس والأموال، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعدًا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالإِنْجِيل وَالقُرْآن) التوبة، الآية: 111، وقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) البقرة، الآية: 216.
ولا شك أن الضرر النازل بالمسلمين من تسلط الحكام المرتدين عليهم، وما في ذلك من الفتنة العظيمة، هذا الضرر يفوق أضعافا مضاعفة قتل بعض المسلمين المكرهين في صف العدو أو المخالطين له عن غير قصد حال القتال، إن كثيرا من بلدان المسلمين تسير في طريق الردة الشاملة من جراء هؤلاء، فأي فتنة أعظم من هذا، هذه فتنة تفوق ما يصيب المسلمين بالجهاد من قتل أو سجن أو تعذيب أو تشريد، قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ) البقرة، الآية: 191، وقال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ) البقرة، الآية: 217. فيجب دفع المفسدة العظمى (فتنة الكفر والردة) بتحمل المفسدة الأخف (وهو ما يترتب على الجهاد من قتل وغيره) وهذا هو المقرر في القواعد الفقهية الخاصة بدفع الضرر، كقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وقاعدة (يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) وقاعدة (الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف) وقاعدة (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا) وقاعدة (يُختار أهون الشرين) وغيرها [13] .
وقال ابن تيمية رحمه الله: (وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى:(وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ) أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه) [14] .
ألا ترون إلى ما يجري للمسلمين في كثير من البلدان؟ تستباح دماؤهم وأموالهم بأحكام الكفر، مع إشاعة الفجور والفواحش والتجهيل المعتمد بالدين والاستهزاء بالإسلام وأهله، ليشب النشئ على صلة باهتة بدينه، أي فتنة أعظم من هذا، وماذا بقي للمسلمين؟ قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَامُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . أ. هـ النقل من كتاب العمدة في إعداد العدة لعبد القادر عبد العزيز.
[1] حديث: 4178 و 4179.
[2] حديث: 2731، 2732.
[3] على اختلاف، انظر فتح الباري (6/ 117) .
[4] رواه البخاري: 4598
[5] انظر فتح الباري (5/ 348) .
[6] مجموع الفتاوى (2/ 323 ـ 326) .
[7] رواه البخاري 4587.
[8] الحديث (2434) .
[9] حديث 7108.
[10] حديث 7059.
[11] انظر المغني والشرح الكبير (10/ 505) و (المجموع شرح المهذب 19/ 297) .
[12] تفسير القرطبي (16/ 282 ـ 288) .
[13] انظر القواعد الفقهية للزرقا (قاعدة 20 و25 ـ 28) .
[14] مجموع الفتاوى (28/ 355) .