فهرس الكتاب
الأولى: أن يُخاف على المسلمين الضرر، إذا لم يُقاتل الكافر المتترّس بمسلمين، فهذه الصورة اتّفاقيَّة عند شيخ الإسلام وغيره كما يأتي، والمقطع الذي نقلوه من كلام ابن تيميَّة والذي فيه حكاية الاتّفاق على صورةٍ من التترس يتحدّث عنها، هو في هذه الصورة.
الثانية: أن لا يُخاف على المسلمين الضَّرر من ترك قتال المتترسين، فليس فيه مصلحةٌ تغتفرُ لأجلها مفسدة قتل المسلمين، إلاَّ مصلحةُ استمرار الجهاد، وامتثال الأمر به، فهذه المسألة فيها قولان مشهورانِ.
فاستدلال المجاهدين بمسألة التّترس، لا يخرج عن أن يكون محلّ إجماعِ، أو أحد القولين المشهورَينِ لأهل الإسلام، وهذا ما لم يشأ الملبِّسُون أن يذكروهُ، ورأوه في كلام ابن تيميَّة فبتروه.
وأمَّا نقلهم عن القرطبي، ففيه من التلبيس مثلُ ما في نقلهم عن ابن تيميَّة، ولتوضيحه إليك كلامه بنصِّه، قال القرطبي: "قلتُ: قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلافٌ إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضروريَّة كلية قطعية .. إلى أن قال: قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يُختلف في اعتبارها .. ثم قال: ولا يتأتَّى لعاقلٍ أن يقول: لا يُقتل الترس في هذه الصورة بوجه"; فحديثهُ عن صورةٍ لا يُنازع فيها أحدٌ، ولا يختلف فيها اثنان، ولا تنتطح عنزان، فالعاقل فضلًا عن العالم لا يمكن أن يُنازع فيها، وليس معنى هذا أن ليس من أهل العلم من يقول بقتل الترس في صورةٍ أخرى تكون خلافيَّة، بل معناه أنَّ الموضع الذي وصفه القرطبي ينبغي أن يكون موضع اتّفاق، وأنَّ خلاف من خالف لا يجري في هذا الموضعِ.
والوجه الثاني من جواب الإسلايوميِّين، عللوه بأمرين: أن التترس يكون في حال المصافَّة، وأن هؤلاء معاهدون، وجعلوا هذا قسيمًا لهذا، وهو غلطٌ، فإنَّ العدوَّ الحربيَّ قد يكونُ مصافًّا في حال مواجهةٍ عسكريَّة، وقد يكون متربّصًا، وقد يكون مسالمًا، وهو في أحواله الثلاث غير المعاهد.
والتفريق الذي ذكروه لا وجه له، ونحن نقول إنَّ مسألة التترس في العدوّ غير المصافِّ فيها مناطان: مناط مشروعيَّة قتاله، ومناط مفسدة من يُقتل معه، فأمَّا مشروعيَّةُ قتاله، فلا فرق فيها بين المُصافِّ وغير المصافِّ، ولو كان المجاهدون لا يرون مشروعيَّة قتاله، ما استباحوا قتل التُّرس والمتَتَرِّس معصومٌ أصلًا، وأمَّا مفسدة قتل التُّرس، فلا فرق بين من يُقتل مكرهًا في مواجهة ومصافَّةٍ، ومن يُقتل مكرهًا في غير مواجهةٍ ومصافَّةٍ، بل التُّرس في كثيرٍ من الأحيان يكونُ في المُصافَّة من المجاهدين المقاتلين لهذا العدو الكافر البريئين منه أعظم البراءة، ومع ذلك وقعوا في أسره فاستعملهم ترسًا، وأمَّا في غير المصافَّة فالأكثر أنَّه مُخالطٌ للمشركين، مساكنٌ لهم، موالٍ لهم نوع موالاةٍ، كما أنَّ الأوَّل لم يكن تُرسًا إلاَّ بإكراهه على ذلك، أمَّا الثَّاني فقد دخل منازل الصليبيين باختياره، والثَّاني دون الأوَّل برئ منه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فهو أولى بجواز قتله ترسًا، وإلحاقه بمن والاهم وخالطهم.
وأمَّا ما ذكروه من أنَّ قتل الكُفَّار هؤلاء يتأتّى دون قتل التُّرس، فإن أرادوا قتل من لا يحصل بقتله نكايةٌ ولا شيءٌ من مقاصد الجهاد مع تعريض النُّفوس للخطر، فهذا صحيح، والإسلايوميُّون أنفسهم يمنعون هذه الصورة من الجهاد.
ثمَّ لو فعلها المجاهدون، لشدّدت الحكومة حامية الصّليب الحراسة والحماية، ولاحتاج المجاهدون إلى قتل الصليبيِّين بتُرسهم بعد ذلكَ، فقتلهم غير متأتٍّ دون قتل الترس في المآل إن لم يكن في الحال.