فهرس الكتاب
ولو أنَّهم نظروا في الجهاد نظرةً أعمَّ رأوا أنَّ مثل هذه العمليَّة وأخواتها، لا تتأتّى إلاَّ بقتل مسلمين كثيرٍ، ولو منع لانسدَّ باب الجهاد بالكلّيَّةِ، ولتوقَّفَت جميع صوره حتّى الّتي صاروا يدعون إليها بعد تفجير الرِّياض، فالعمليَّات في فلسطين والشيشان وغيرها، قلَّ أن تكون دون أن يقع فيها قتلى من المسلمين، وسيأتي الحديث عن ضيق الأفق، وقصر النظرة عند الحديث عن المصالح والمفاسد في آخر الأسئلة بإذن الله.
وأمَّا كلامهم عن الطائفة الممتنعة، فلأنَّهم لم يفهموا المراد بها، والطائفة الممتنعة تطلق على معنيين:
الأوَّل: الامتناع عن الفرائض، ورفض التزامها، وهذا يُذكر لبيانِ حكم الممتنعِ عن الفريضة حتّى يُقاتِل عليها أو يصبر للقتل، وأنَّ قتاله محلُّ اتّفاق، وتكفيره هو الأصحُّ من قولي أهل العلم، وهو إجماع الصحابة على التحقيق.
والثاني: الامتناع بالشَّوكة، واشتقاقه من المنعةِ لا المنع، فهو افتعال من المنعة، وهذا يُذكر لبيان أمرين في حقِّه:
أولهما: التسوية بين أفراد هذه الطَّائفة ذات المنعة، والحكم لهم جميعًا بحكم واحدٍ في الظَّاهر هو حكم رأسها، فإذا كانوا كُفَّارًا أصليِّين اكتفي بإقامة الحجَّة والدعوة على الرأس بالاتّفاق، وحكم لهم تبعًا بحكمه، وإن كانوا مرتدِّين فكذلك في تكفير أعيانهم وقتلهم وقتالهم، كما فعل الصَّحابة في أصناف المرتدِّين: من متّبعي مسيلمة، والمُقاتلين معه دون استفصال عن اتّباعهم له، ومن مانعي الزَّكاة، وغيرهم.
وثانيهما: إلغاء الاستفصال وتبيُّن حالهم لعدم القدرةِ فيهم، كما حكم الصَّحابةُ بذلك في المرتدِّين الّذين قاتلوا مع مسيلمة.
وبهذا تتبيّنُ أنَّ الطائفة الممتنعة، قد تكون طائفةً كافرةً كفرًا أصليًّا ولها منعةٌ، فيُحكم لها بحكم واحدٍ، ومنها الدِّيارُ الكافرةُ حاكمًا وشعائرَ، والحصون، وتكون المنعة مسقطةً للاستفصال والتمييز، فلا يجب على المجاهدين التثبّت من عدم وجود المسلمين، بعد أن حكموا بأنَّ المجمّع طائفةُ كفَّار لها منعةٌ.
والّذي أورده السَّائل، هو في الامتناع بالشَّوكة، الّذي يرد في الكُفَّار الأصليِّين حين يُحكم عليهم جميعًا بحكم واحدهم، ويجوز بياتهم ويقال: "هم منهم" كما قال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان زادَ أنَّ المسلمين الموجودون داخل المجمّع قد زادوا إلى امتناعهم بمنعة الكفّار الأصليِّين، أنَّ هؤلاء الكفَّار غير جارٍ عليهم حكم الإسلام - بتسليم الموافق والمخالف - فمن كان داخل مجمّعهم تحميه منعتهم من المسلمين، كان كطائفة مسلمة امتنعت من أحكام الله، بل زاد على ذلك أنَّ امتناعه بمنعة طائفة كافرةٍ لا مسلمةٍ، ومَنَعَةُ هؤلاء الصليبيين بالحرّاس الأجراء لديهم، والجيش المسخَّر حارسًا لهم كذلك، ففي مثل هذا تجتمع الصورتان.