فهرس الكتاب

الصفحة 724 من 743

ولا يلزم من الأمر بإخراجهم إباحة قتلهم إذا بقوا فيها، فهم قد دخلوها بعهد وأمان، حتى على فرض بطلان العهد؛ لأجل الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فإن الكافر الحربي لو دخل بلاد المسلمين وهو يظن أنه مستأمن بأمانٍ أو عهد لم يجز قتله حتى يبلغ مأمنه أو يُعلِمه الإمام أو نائبه بأنه لا أمان له. قال أحمد: "إذا أشير إليه ـ أي الحربي ـ بشيء غير الأمان، فظنه أمانًا، فهو أمان، وكل شيء يرى العدو أنه أمانٌ فهو أمان" أ. هـ (حاشية ابن قاسم4/ 297) .

الوجه الثاني: أن لأهل العلم في تحديد جزيرة العرب المقصودة في الحديث كلامًا طويلًا وخلافًا مشهورًا بعد اتفاقهم على تحريم استيطانهم لحرم مكة.

فذهب أحمد إلى أن جزيرة العرب هي المدينة وما والاها. قال في المغني 13/ 243: "يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينةُ وما والاها، وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها وما والاها. وهذا قول الشافعي؛ لأنهم لم يُجلوا من تيماء، ولا من اليمن". ثم قال ـ أي ابن قدامة: "فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أُريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازًا لأنه حجز بين تهامة ونجد. ولا يمنعون من أطراف الحجاز كتيماء وفيد ـ بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة ـ ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك" أهـ.

الوجه الثالث: أن الأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب يُحمل على ما إذا لم يحتج المسلمون إليهم في عمل لا يحسنه غيرهم، أو لا يُستغنى عن خبراتهم فيها.

ويدل لذلك إقرارُ النبي صلى الله عليه وسلم اليهود على الإقامة بخيبر ليعملوا فيها بالفلاحة، لعجز الصحابة وانشغالهم عن ذلك.

ولذا أبقاهم أبو بكر طيلة حياته وعمر صدرًا من خلافته؛ لحاجة المسلمين إليهم.

ولما كثر عدد المسلمين في آخر عهد عمر وقاموا بشأن الفلاحة والزراعة؛ استغنوا عن اليهود ونقض بعضهم ذمته فأجلاهم عمر - رضي الله عنه - إلى الشام.

يقول الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار (7/ 189) بعد ما ساق مصالحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليهود خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ما بدا لرسول الله أن يبقيهم: "فلما كان زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - غالوا في المسلمين وغشوهم ورموا ابن عمر من فوق بيته ففدعوا يده (والفدع ميل في المفاصل من عظام اليد) فقال عمر - رضي الله عنه: من كان له سهم من خيبر فليخرص حتى يقسمها بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا ودعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله، فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقط عني قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك: "وكيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا، وقسمها عمر - رضي الله عنه - بين من كان شهد خيبر يوم الحديبية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت