فهرس الكتاب

الصفحة 725 من 743

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/ 88) : "لما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر أعطاها لليهود يعملونها فلاحةً؛ لعجز الصحابة عن فلاحتها؛ لأن ذلك يحتاج إلى سكناها، وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا نحو ألف وأربعمائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر، فهؤلاء الذين قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم أرض خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم - يعني الجهاد - فلما كان زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وفتحت البلاد، وكثر المسلمون، واستغنوا عن اليهود؛ فأجلوهم وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: "نقركم فيها ما شئنا" وفي رواية: "ما أقركم الله" وأمر بإجلائهم عند موته - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين - الجزيرة - بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر وفي المسألة نزاع ليس هذا موضعه" أ. هـ.

وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله ـ شرح صحيح مسلم (مخطوط) : ـ عندما سئل: هل يجوز استخدام العمال من أهل الكتاب من اليهود والنصارى؟ ـ فقال: "نعم يجوز ذلك، لكن لا يجوز أن يسكنوا ويكونوا مواطنين، هذا ممنوع في جزيرة العرب لكن إذا دخلوا في تجارة أو عمل غير مقيمين دائمًا فلا بأس" أهـ.

فتُحمل دلالة الحديث ـ إذًا ـ على المنع من استيطان المشركين لجزيرة العرب، لا إقامتهم فيها للعمل المؤقت أو التجارة كما هو شأن الكفار الوافدين.

ثم إن إنذار العدو (أمريكا مثلًا) بنقض العهد وإعلان الحرب ليس موكولًا لآحاد الناس؛ بل هو موكول إلى أولي الأمر من العلماء والسلطان الأعلى للدولة. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة الجهاد مع ولي الأمر، برًا كان أو فاجرًا، والسمع والطاعة بالمعروف كما في الحديث "اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" والخروج على الحاكم أو تكفيره مفسدة عظيمة، لا يكفرها حسن النية والقصد بحال.

الوجه الرابع: أن الكفار في البلاد في الجملة أهل وفادة وليسوا من أهل الإقامة وهذا لا يسوّغ دخول لكل وافد من الكفار، فإن هذا يُمنع بمناط آ خر، لكن من احتاجه المسلمون ساغ وفوده, وقد قاله النبي في وصيته التي فيها ذكر إخراجهم (وأجيزو الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) كما في الصحيح، وكأنه تنبيه على الجمع بين الحكمين, وأنه لا تعارض بينهما. ولهذا فإن عمر لما أخرج اليهود؛ استند إلى الحديث, لكنه مع ذلك ترك بعض أعيان الكفار من الرقيق وغيرهم لم يخرجهم فتأمل هذا.

الوجه الخامس: أن القول بانتقاض عهد كل مشرك لأجل إقامته في جزيرة العرب يلزم منه أن تكون دماء الكفار من غير الأمريكيين والأوروبيين مهدرةً، وأموالُهم مباحةً؛ فليس انتقاض العهد بالإقامة في الجزيرة مخصوصًا بالنصارى الأمريكان والأوربيين وحدهم!

فيلزم من القول بإهدار دماء نصارى الأمريكان والأوربيين القولُ بإهدار دماء وإباحة أموال نصارى الدول الأخرى، إذ جميعهم نصارى مشركون، وهم في الحكم سواء.

ولا شك أن القول بانتقاض عهد كل مشرك لأجل إقامته في جزيرة العرب، ومن ثم إهدار دمه وإباحة ماله يفضي إلى فوضى واضطراب وظلم.

ومما يعجب له أنه على مدار عشرات السنين لم يثر هذا الأمر ليكون سببًا لقتال أهل الأمان مع وجودهم بين ظهرانينا.

إن هذا ظاهر في أن مسألة جزيرة العرب لم تكن مسألة أصلية لدى هؤلاء وإنما استدعيت لتقوية الموقف الحادث من هذه التفجيرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت